ريف ميديا بريس : احمد علي المرس
في سياق الدينامية المؤسساتية التي تعرفها المملكة المغربية، وتعزيز الحكامة المالية وتحديث الإدارات الاستراتيجية، شهدت وزارة الاقتصاد والمالية تعيين السيد محمد الزهاوي مديراً عاماً جديداً لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، خلفاً للسيد عبد اللطيف العمراني، الذي تم تعيينه خازناً عاماً للمملكة، في خطوة تعكس استمرارية الدولة في ضخ كفاءات وطنية راكمت تجربة طويلة داخل المؤسسات السيادية ذات الطابع المالي والاقتصادي.
ويُعتبر محمد الزهاوي من الكفاءات الإدارية المغربية التي راكمت خبرة ميدانية ومؤسساتية عميقة داخل إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، حيث يُنظر إليه داخل الأوساط المهنية باعتباره “ابن الدار”، بحكم مساره الطويل داخل البيت الجمركي، وإلمامه الدقيق بمختلف آليات التدبير الجمركي، ومفاصل القرار الإداري، وخبايا المنظومة المرتبطة بالرقابة الحدودية، وتحصيل الرسوم الجمركية، ومحاربة التهريب، ومواكبة التحولات الاقتصادية والتجارية الدولية.
وعلى امتداد مساره المهني، تدرج الزهاوي في عدد من المناصب المركزية ذات الطابع الاستراتيجي، حيث شغل منصب مدير الموارد والبرمجة، وهو قطاع محوري يعنى بالتخطيط الاستراتيجي، وتدبير الموارد المالية والبشرية، وبلورة السياسات المرتبطة بالحكامة الداخلية، كما سبق له أن راكم تجربة مهمة في مجالات الدراسات والتعاون الدولي، ما مكنه من تمثيل المغرب في محافل جمركية دولية وإقليمية، والمساهمة في تعزيز التعاون المؤسساتي مع الهيئات الدولية المختصة في المجال الجمركي.
ويأتي هذا التعيين في ظرفية اقتصادية دقيقة تتسم بتنامي المبادلات التجارية الدولية، وتسارع التحول الرقمي، وتزايد التحديات المرتبطة بالأمن الاقتصادي، وحماية النسيج الإنتاجي الوطني، ومكافحة الغش التجاري والتهريب، وهي رهانات تجعل من إدارة الجمارك فاعلاً محورياً في منظومة السيادة الاقتصادية، وتحقيق العدالة الجبائية، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز التنافسية اللوجستيكية للمملكة.
وتضطلع إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة بأدوار استراتيجية تتجاوز الجانب التحصيلي للرسوم الجمركية، لتشمل حماية الاقتصاد الوطني، وتأمين سلاسل التوريد، وتيسير التجارة الخارجية، وتدبير المخاطر الجمركية، ومواكبة المقاولات المصدرة والمستوردة، فضلاً عن التصدي لجرائم التهريب والتصريح غير الحقيقي، بما ينسجم مع قواعد الامتثال الجمركي ومقتضيات الحكامة الاقتصادية الحديثة.
ويُنتظر أن يقود محمد الزهاوي مرحلة جديدة داخل الإدارة، ترتكز على تحديث المساطر، وتعزيز الرقمنة، وتطوير آليات الذكاء الجمركي، وتقوية منظومة تدبير المخاطر (Gestion des Risques)، والرفع من نجاعة المراقبة القبلية والبعدية (Contrôle a priori et a posteriori)، إلى جانب تعزيز الشفافية، وتبسيط إجراءات التخليص الجمركي (Dédouanement)، وتسريع انسيابية المبادلات التجارية بما يخدم الاستثمار والاقتصاد الوطني.
كما يشكل تعيين إطار إداري متمرس، يعرف تفاصيل المؤسسة من الداخل، رسالة واضحة مفادها أن الرهان اليوم لم يعد فقط على التدبير الإداري التقليدي، بل على قيادة عمومية حديثة قادرة على مواكبة التحولات الجيو-اقتصادية، وتعزيز مرونة الإدارة الجمركية في مواجهة التحديات العابرة للحدود.
وفي خضم هذه المحطة الجديدة، لا يمكن إغفال ما قدمه المدير العام السابق عبد اللطيف العمراني من خدمات للإدارة الجمركية، وما بصمه من مجهودات خلال فترة إشرافه على المؤسسة، قبل انتقاله لتحمل مسؤولية جديدة على رأس الخزينة العامة للمملكة، في إطار استمرارية المؤسسات وتكامل الأدوار داخل المنظومة المالية للدولة.
اليوم، يقف محمد الزهاوي أمام ورش استراتيجي كبير، عنوانه “جمارك أكثر حداثة، أكثر رقمنة، وأكثر نجاعة في خدمة الاقتصاد الوطني”، مستنداً إلى تجربة مهنية طويلة، وإلى معرفة دقيقة بخبايا البيت الجمركي، في مرحلة تتطلب كفاءات قادرة على الجمع بين الصرامة القانونية، والرؤية الاقتصادية، والقدرة على مواكبة التحولات العالمية المتسارعة.
