من يحكم سوق البال بالمغرب؟ تحقيق يكشف خفايا تجارة بمليارات الدراهم خارج الرادار المالي.

اخر الأخبار

الجمارك لا تمزح: déclaration obligatoire أو مواجهة العواقب

من دهاليز الجمارك إلى قمة القرار.. محمد الزهوي يتولى قيادة الإدارة الجمركية بالمغرب

محمد الزهاوي على رأس الجمارك.. “ابن الدار” العارف بخبايا البيت الجمركي يقود مرحلة التحديث وحماية الاقتصاد الوطني.

تعلن A.A.T عن انطلاق مرحلة جديدة لنقل الأمتعة والبضائع بين أوروبا والمغرب لفائدة الجالية المغربية.

انطلاق دعم تجديد حضيرة النقل في يونيو 2026.. هل حان وقت تطهير القطاع من الفوضى والنقل غير المهيكل؟

من يحكم سوق البال بالمغرب؟ تحقيق يكشف خفايا تجارة بمليارات الدراهم خارج الرادار المالي.

الريف يوم فاوض فيه على الكرامة لا على الاستسلام 30 ابريل 1926

ميناء بني أنصار بين الحقيقة و التضليل...عندما تنتصر اليقظة الأمنية

الناظور يبني الميناء ووجدة تحتضن التوظيف.. من يدافع عن حق أبناء الإقليم في وظائف غرب المتوسط؟"

نحو تجارة خارجية رقمية حديثة… جهود وزارة التجارة تمهد لتحول استراتيجي في المغرب

أخبار جديدة

من يحكم سوق البال بالمغرب؟ تحقيق يكشف خفايا تجارة بمليارات الدراهم خارج الرادار المالي.



ريف ميديا بريس – أحمد علي المرس

في الوقت الذي تواصل فيه الدولة المغربية جهودها الرامية إلى محاربة الاقتصاد غير المهيكل وتعزيز آليات الشفافية المالية وتوسيع الوعاء الضريبي، يظل قطاع الملابس المستعملة، المعروف شعبياً بـ"البال"، واحداً من أكثر القطاعات التجارية إثارة للجدل والغموض داخل المنظومة الاقتصادية الوطنية، بالنظر إلى حجم الأموال الضخمة المتداولة داخله، وغياب أرقام رسمية دقيقة تكشف حقيقة رقم معاملاته السنوية أو الحجم الحقيقي للكتلة المالية التي تتحرك في دوائره المغلقة بعيداً عن أعين المؤسسات الرقابية والمالية. فخلف الأسواق الشعبية والجوطيات المنتشرة عبر مختلف ربوع المملكة، ينمو اقتصاد موازٍ يصفه متتبعون بأنه من أكبر الأسواق غير المهيكلة بالمغرب، حيث تشير المعطيات الدولية الرسمية الخاصة بسنة 2024، والصادرة عن قواعد بيانات التجارة العالمية ومرصد التعقيد الاقتصادي (OEC) ومنصة البنك الدولي الخاصة بإحصائيات المبادلات التجارية الدولية، إلى أن المغرب استورد ملابس مستعملة بقيمة قاربت 120 مليون دولار أمريكي، أي ما يفوق 1.2 مليار درهم مغربي، وهو ما يضع المملكة ضمن قائمة أكبر الدول المستوردة للملابس المستعملة على المستوى الدولي، فيما تتصدر إسبانيا قائمة الدول المصدرة لهذه المنتجات نحو المغرب، متبوعة بألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة.

غير أن هذه الأرقام الرسمية المتعلقة بالاستيراد لا تعكس سوى جزء محدود من الحجم الحقيقي للسوق، لأن القيمة التجارية للبضائع تتضاعف عدة مرات بعد انتقالها بين الوسطاء وتجار الجملة وشبكات التوزيع والتقسيط داخل الأسواق الشعبية، حيث يقدر مهنيون وخبراء اقتصاديون أن رقم المعاملات الداخلي لهذا القطاع يتجاوز ما بين ثلاثة وأربعة مليارات درهم سنوياً، وهو رقم يظل تقريبياً بسبب غياب أي إحصائيات وطنية دقيقة صادرة عن المؤسسات الرسمية المختصة. وتزداد خطورة هذا الملف عندما يتعلق الأمر بطريقة تداول الأموال داخل هذا النشاط التجاري، إذ تؤكد معطيات ميدانية متقاطعة أن الجزء الأكبر من المعاملات يتم نقداً وبشكل مباشر خارج القنوات البنكية المعتمدة، ما يجعل هذه الأموال تتحرك ضمن ما يعرف باقتصاد الكاش، دون أن تترك أثراً واضحاً داخل المنظومة المالية الوطنية أو داخل شبكات المراقبة البنكية، الأمر الذي يثير أكثر من علامة استفهام حول الحجم الحقيقي للسيولة النقدية المتداولة داخل هذا القطاع، وحول مساراتها ومصادرها ووجهتها النهائية.

وتفيد تقارير اقتصادية متخصصة بأن غياب الأداءات الرقمية والفواتير والتصاريح الضريبية في جزء كبير من المعاملات يجعل من الصعب تتبع التدفقات المالية أو تحديد رقم معاملات دقيق لهذا النشاط، خاصة أن تجارة "البال" ترتبط أساساً بمنظومة واسعة من الأسواق الأسبوعية والمحلات التجارية ومستودعات التخزين المنتشرة عبر مختلف المدن المغربية. كما أن جزءاً من هذه البضائع يدخل عبر مسارات معقدة تستدعي مزيداً من التدقيق واليقظة، خصوصاً مع الحديث المتكرر عن عمليات محتملة مرتبطة بـ Fraude Douanière أو تغيير طبيعة البضائع أثناء مراحل العبور والتخليص، إضافة إلى استغلال بعض الثغرات المرتبطة بمسطرة Déclaration en Douane، التي تسمح أحياناً بتمرير شحنات يصعب تحديد طبيعتها الحقيقية قبل وصولها إلى الأسواق المحلية، وهو ما يطرح تحديات إضافية أمام مصالح المراقبة والتفتيش.

وفي السياق نفسه، تشير معطيات دولية مرتبطة بالاقتصاد الدائري والقطاع النسيجي، تم تحديثها ضمن تقارير سنتي 2024 و2025 الصادرة عن برامج دولية متخصصة، من بينها مبادرات مرتبطة بمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، إلى أن المغرب يتعامل سنوياً مع أكثر من 83 ألف طن من المنتجات والنفايات النسيجية القابلة للفرز وإعادة الاستخدام أو التدوير، وهو رقم يعكس الحجم الضخم لتدفقات الألبسة المستعملة داخل السوق الوطنية. ويؤكد متابعون أن جزءاً مهماً من هذه الكميات يجد طريقه مباشرة إلى أسواق "البال"، التي أصبحت تمثل مورداً مالياً لآلاف الأسر والتجار والوسطاء، في مقابل استمرار مخاوف المصنعين المحليين من تأثير هذه التجارة على تنافسية الصناعة الوطنية للنسيج والألبسة الجاهزة.

كما يرى فاعلون اقتصاديون أن استمرار توسع هذا النشاط خارج الإطار المنظم يعمق من إشكالية Commerce Informel، ويزيد من صعوبة إدماج هذه الكتلة التجارية الضخمة داخل الدورة الاقتصادية الرسمية، خاصة في ظل اعتمادها شبه الكامل على التداول النقدي المباشر. ويؤكد مهنيون أن المبالغ المالية التي تنتقل يومياً بين مختلف المتدخلين في القطاع لا تمر في معظمها عبر الحسابات البنكية، وهو ما يحرم المؤسسات المختصة من مؤشرات مالية دقيقة تمكن من تقييم الحجم الحقيقي للسوق أو احتساب المداخيل الجبائية المحتملة التي يمكن أن تستفيد منها خزينة الدولة. كما يطرح هذا الوضع تساؤلات مرتبطة بآليات المراقبة المالية وتتبع حركة السيولة، خصوصاً في ظل تنامي النقاش الدولي حول محاربة الاقتصاد الموازي وتعزيز قواعد Traçabilité Financière داخل الأنشطة التجارية ذات التداول النقدي المرتفع.

ورغم أن قطاع الملابس المستعملة يوفر مصدر دخل لآلاف الأسر المغربية ويستجيب للقدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين في ظل ارتفاع الأسعار، فإن الحجم المتزايد للأموال المتداولة داخله خارج المنظومة البنكية الرسمية، إلى جانب غياب أرقام وطنية دقيقة وشفافة حول رقم معاملاته الحقيقي، يجعل هذا الملف واحداً من أكثر الملفات الاقتصادية تعقيداً وإثارة للجدل داخل المغرب. فبين الحاجة الاجتماعية التي تفرضها الأوضاع الاقتصادية، وبين متطلبات حماية الصناعة الوطنية وضمان الشفافية المالية ومراقبة التدفقات النقدية، يبقى سوق "البال" فضاءً اقتصادياً واسعاً تتحرك داخله مليارات الدراهم سنوياً في منطقة رمادية ما زالت تطرح أسئلة ثقيلة تنتظر أجوبة مؤسساتية دقيقة، خاصة أن آخر المعطيات الدولية الرسمية المتوفرة لسنة 2024 تؤكد استمرار نمو هذا النشاط واتساع حضوره داخل الدورة التجارية بالمملكة، بشكل يفرض إعادة فتح النقاش حول مستقبله القانوني والاقتصادي والمالي.

وفي خضم هذا الغموض الذي يلف حركة الأموال المتداولة داخل قطاع الملابس المستعملة، أفادت مصادر مطلعة تحدثت إلى "ريف ميديا بريس" أن جزءاً من تعقيد هذا الملف لا يرتبط فقط بغياب الإحصائيات الرسمية الدقيقة أو بسيادة المعاملات النقدية خارج القنوات البنكية، بل يمتد أيضاً إلى طبيعة الفاعلين المؤثرين داخل هذا السوق وآليات التحكم في مساراته التجارية. ووفق معطيات استقتها الجريدة من أوساط مهنية مهتمة بهذا المجال، فإن تاريخ تجارة الملابس المستعملة، أو ما يعرف في الأسواق المغربية بـ"البال" و"الخردة"، ظل لعقود طويلة محاطاً بالكثير من علامات الاستفهام، حيث غالباً ما تتكرر داخل الأوساط التجارية وبين الوسطاء والتجار عبارات من قبيل "ناس الكبار" و"أصحاب النفوذ" و"ناس ديالهم" و"أصحاب الرؤوس الكبيرة"، كلما تعلق الأمر بالحديث عن الجهات التي تمتلك تأثيراً قوياً في حركة الاستيراد والتوزيع والتسويق داخل هذا القطاع.

وحسب المصادر المهنية ذاتها، فإن هذه المصطلحات المتداولة لا تقدم معطيات دقيقة بقدر ما تعكس صورة راسخة داخل الذاكرة التجارية للقطاع، مفادها أن سوق "البال" ظل دائماً يُنظر إليه باعتباره واحداً من أكثر الأسواق تعقيداً من حيث بنيته التجارية وسلاسل التوريد التي تتحكم في جزء مهم من نشاطه. كما يستحضر بعض المتابعين في هذا السياق تصريحات سياسية سابقة تحدثت عن وجود أشكال من التساهل أو النفوذ داخل بعض القطاعات الاقتصادية، وهو ما يدفع إلى طرح تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان قطاع الملابس المستعملة قد تحول، مع مرور السنوات، إلى أحد تجليات اقتصاد الريع الموازي الذي يستفيد من هوامش واسعة خارج الأطر التنظيمية التقليدية.

وتؤكد مصادر مهنية استقتها "ريف ميديا بريس" أن المستفيدين الكبار من هذا النشاط هم في الغالب الفاعلون الذين يتوفرون على إمكانيات مالية ولوجستيكية كبيرة تسمح لهم بالتحكم في جزء من مسارات التوريد والتوزيع، غير أن هوية المتدخلين الرئيسيين في بعض حلقات هذه التجارة تظل موضوع نقاش واسع داخل الأوساط المهنية. كما تتداول بعض الأوساط التجارية فرضيات مفادها أن عدداً من الفاعلين الذين يحظون بإمكانيات أكبر للولوج إلى هذا السوق يوصفون داخل القطاع بأنهم محسوبون على دوائر نفوذ معينة، غير أن هذه المعطيات تظل في حدود ما يتم تداوله مهنياً، وتحتاج إلى معطيات رسمية وتحقيقات مؤسساتية دقيقة لتأكيدها أو نفيها.

ومن هذا المنطلق، تواصل "ريف ميديا بريس" عمليات البحث والتقصي وجمع المعطيات المرتبطة بهذا الملف الذي تتشابك فيه الأبعاد الاقتصادية والتجارية والمالية والاجتماعية، حيث تعمل الجريدة على إعداد روبورتاج ميداني وتحقيق إعلامي موسع سيتم بثه قريباً عبر القناة الرسمية لـ"ريف ميديا بريس" على منصة يوتيوب، بهدف تسليط الضوء على مختلف الجوانب المرتبطة بسوق الملابس المستعملة بالمغرب، والاستماع إلى شهادات المهنيين والفاعلين والمتدخلين، وتقديم صورة أكثر وضوحاً للرأي العام حول واحد من أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للجدل داخل المملكة.

إرسال تعليق

شكرا على تعليقك

أحدث أقدم

نموذج الاتصال