بالتزامن مع اقتراب موعد إطلاق برنامج دعم تجديد حضيرة النقل الطرقي بالمغرب، والذي أعلنت وزارة النقل واللوجيستيك عن الشروع في تفعيله ابتداء من 01 يونيو 2026 بالنسبة لمرحلة التسجيل، و15 يونيو 2026 بالنسبة لإيداع طلبات الاستفادة، تعود إلى الواجهة من جديد الأسئلة الحقيقية المرتبطة بواقع قطاع النقل بالمغرب، خاصة في مجال نقل البضائع لحساب الغير، الذي يعيش منذ سنوات على وقع اختلالات عميقة وفوضى مهنية وتشريعية متشابكة.
ورغم أهمية برامج الدعم والتحفيز المالي التي تراهن عليها الدولة من أجل عصرنة الأسطول الوطني، فإن عدداً من المهنيين والمتابعين للشأن الاقتصادي يعتبرون أن الإشكال الحقيقي لا يرتبط فقط بتجديد الشاحنات، بل بمدى قدرة السلطات العمومية على فرض القانون داخل قطاع أصبح يعاني من تمدد النقل غير المهيكل وغياب تكافؤ الفرص بين المهنيين.
وفي هذا السياق، يطرح متتبعون تساؤلات جدية حول استمرار عدد من أصحاب الشاحنات المتهالكة في مزاولة نشاط النقل لسنوات طويلة خارج الضوابط القانونية، حيث إن نسبة مهمة منهم، حسب مهنيين، لا تتوفر حتى على سجل النقل عبر المنصة الرسمية لوزارة النقل، ولا تحترم دفاتر التحملات أو شروط السلامة التقنية والمهنية.
ويؤكد مهنيون أن بعض المركبات التي تجوب الطرق الوطنية أصبحت تشكل خطراً حقيقياً على السلامة الطرقية وعلى صورة القطاع، خاصة مع انتشار ما أصبح يعرف داخل الأوساط المهنية بـ «Transport informel» و«Concurrence déloyale» و«Absence de traçabilité»، وهي مصطلحات باتت تعكس واقعاً مقلقاً داخل قطاع النقل الطرقي بالمملكة.
كما يثير الوضع المتعلق بالنقل المزدوج والنقل غير النظامي للركاب والبضائع الكثير من الجدل، خصوصاً في ظل تنامي أنشطة تخضع في أحيان كثيرة لما يسمى بـ«قانون العرف» بعيداً عن المراقبة الصارمة والتقنين المؤسساتي، الأمر الذي يطرح تحديات حقيقية أمام الدولة في ما يتعلق بحماية المهنيين الملتزمين بالقانون وضمان شروط المنافسة الشريفة.
ويرى فاعلون في القطاع أن نجاح أي برنامج لتجديد حضيرة النقل يبقى رهيناً بتفعيل القانون بروح القانون، وليس فقط عبر النصوص التنظيمية أو الحملات الظرفية، وذلك من خلال مراقبة ميدانية صارمة، وربط الاستفادة من الدعم باحترام الشروط المهنية والجبائية والاجتماعية.
وتتجه الأنظار نحو مدى جاهزية وزارة النقل واللوجيستيك من حيث الموارد البشرية والأطر التقنية وأعوان المراقبة القادرين على مواكبة هذا الورش الوطني الكبير، خاصة في ظل اتساع رقعة القطاع وتشعب المتدخلين فيه. كما يطرح عدد من المهنيين تساؤلات حول مدى توفر الوزارة على الوسائل الكفيلة بضبط القطاع وتنزيل القوانين بشكل عادل وشفاف، بما يضمن القضاء على مظاهر الفوضى والحد من الممارسات غير القانونية التي أضرت بمصالح المقاولات المهيكلة والمستثمرة في القطاع.
ولا يقتصر الأمر على وزارة النقل واللوجيستيك وحدها، بل إن إصلاح القطاع يفرض انخراطاً فعلياً لمختلف المتدخلين المؤسساتيين، وفي مقدمتهم وزارة الداخلية، ووزارة الصناعة والتجارة، ووزارة الاقتصاد والمالية، وإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، إضافة إلى الأبناك ومؤسسات التمويل وشركات التأمين ومؤسسات التكوين المهني والجمعيات المهنية والغرف المهنية والهيئات المنتخبة، وذلك في إطار رؤية شمولية تستهدف تنظيم القطاع وتطويره.
كما يرى عدد من الفاعلين أن أي إصلاح حقيقي للقطاع يجب أن يضمن إشراك المقاولات الصغرى والمتوسطة العاملة في مجال النقل الطرقي، باعتبارها تشكل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني، وأن لا يقتصر الدعم على فئات محددة دون غيرها. ويشدد المهنيون كذلك على ضرورة تمكين شركات النقل الدولي للأمتعة غير المصحوبة من الاستفادة من برامج التأهيل والدعم، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به في خدمة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج وفي تنشيط المبادلات التجارية واللوجيستيكية بين المغرب والدول الأوروبية.
ومن بين الملفات التي تفرض نفسها بقوة داخل هذا النقاش، ملف مراجعة شروط منح وتجديد تراخيص وسجلات النقل الدولي للبضائع، حيث يطالب عدد من المهنيين بإعادة النظر في المعايير المعتمدة حالياً بما يضمن تكافؤ الفرص والشفافية ويشجع الاستثمار المنتج والالتزام بالقانون، مع ضرورة القطع مع كل أشكال الريع أو الامتيازات غير المبررة. كما يدعو هؤلاء إلى تعزيز الرقمنة وربط مختلف قواعد البيانات الإدارية والجمركية والضريبية من أجل تتبع الأنشطة المهنية بشكل دقيق والحد من أي استغلال غير قانوني للرخص والتراخيص المهنية.
وفي المقابل، يرى متابعون أن ورش تجديد حضيرة النقل يفتح أيضاً نقاشاً استراتيجياً حول مستقبل الصناعة الوطنية للمركبات بالمغرب، ومدى قدرة المملكة على الانتقال من دور منصة تركيب وتجميع نحو صناعة وطنية حقيقية للشاحنات والمركبات المهنية الثقيلة. ورغم النجاح الذي حققه المغرب خلال السنوات الأخيرة في استقطاب كبريات الشركات العالمية المصنعة للسيارات، فإن التساؤلات ما تزال مطروحة حول إمكانية تطوير صناعة وطنية متكاملة للمركبات المهنية والشاحنات، بما يساهم في تقليص كلفة الاستيراد، وخلق فرص شغل جديدة، وتعزيز السيادة الصناعية واللوجيستيكية للمملكة.
ويبقى الرهان الأكبر اليوم، مع انطلاق هذا البرنامج خلال شهر يونيو 2026، هو قدرة الدولة المغربية على تحويل برامج الدعم من مجرد عملية مالية ظرفية إلى مشروع إصلاحي شامل يعيد هيكلة قطاع النقل الطرقي، ويضع حداً لحالة الفوضى والاحتكار والمنافسة غير القانونية التي أثقلت كاهل المهنيين الملتزمين بالقانون لسنوات طويلة، ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها الحكامة الجيدة والشفافية وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن بناء قطاع نقل عصري وقوي قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والتنموية التي تشهدها المملكة المغربية.






