ريف ميديا بريس: أحمد علي المرس
السبت 30 ماي 2026
استنفرت تحركات مشبوهة لشبكات تهريب الملابس المستعملة، المعروفة بـ"البال"، فرق المراقبة الجمركية بموانئ المملكة، بعد توصل المصالح المركزية للجمارك بمعطيات من قسم مكافحة التهريب التابع لمصلحة المراقبة لدى مديرية الوقاية والمنازعات، كشفت عن محاولات متزايدة لإدخال شحنات من الملابس والأحذية المستعملة عبر التصريح بمحتويات مغايرة لطبيعتها الحقيقية، في مؤشر على تطور ملحوظ في أساليب شبكات التهريب وقدرتها على التكيف مع مستجدات منظومة الرقابة الجمركية.
وأفادت مصادر خاصة "لريف ميديا بريس" بانخراط فرق المراقبة الجمركية في عمليات متفرقة مكنت من حجز أطنان من الملابس والأحذية المستعملة، خصوصا بميناء طنجة المتوسط، حيث جرى ضبط مقطورات محملة بكميات مهمة من الملابس المستعملة قادمة من إسبانيا وإيطاليا، موضحة أن التدخلات المنجزة استهدفت شبكات عملت على توظيف وثائق جمركية قانونية للتمويه على سلع جرى إخفاؤها داخل مقطورات وحاويات، ما سمح بضبط شاحنات كان بعضها محملا بأزيد من عشرين طنا من بضائع "البال" في طريقها نحو أسواق ومراكز توزيع معروفة بهذا النشاط، قبل أن تتم مصادرة هذه البضائع واتخاذ الإجراءات القانونية المعمول بها في حق المتورطين.
ووفق معطيات استقتها "ريف ميديا بريس" من مصادر مهنية متطابقة، فإن هذه العمليات لا تمثل سوى جزء من ظاهرة أوسع ترتبط بنشاط شبكات منظمة يصفها متتبعون بـ"مافيا البال والخوردة"، والتي راكمت خلال السنوات الأخيرة نفوذا اقتصاديا كبيرا داخل سوق الملابس المستعملة بالمغرب، مستفيدة من تعدد مسالك التهريب وتنوع أساليب التمويه والغش في التصريحات الجمركية Déclaration Douanière.
وتشير المعطيات الاقتصادية الدولية الخاصة بحركة تجارة الملابس المستعملة عبر العالم إلى أن المغرب أصبح من بين أكبر الدول المستوردة لهذا النوع من السلع، حيث تقدر قيمة واردات الملابس المستعملة بما يقارب 120 مليون دولار سنويا، أي ما يفوق 1.2 مليار درهم، قادمة أساسا من إسبانيا وألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة. وتضع هذه الأرقام المملكة ضمن قائمة أكبر عشر دول مستوردة للملابس المستعملة على الصعيد العالمي، وهو ما يعكس الحجم الحقيقي لهذه التجارة وتشعب شبكاتها التجارية واللوجستية.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن جزءا من هذه الشبكات ينشط تحت غطاء استيراد الملابس المستعملة الموجهة لإعادة التدوير أو إعادة التصنيع والتصدير، فيما تستغل جهات أخرى امتيازات وإعفاءات ممنوحة لبعض الجمعيات تحت مبرر الإحسان العمومي والعمل الاجتماعي، إضافة إلى وحدات ومصانع متخصصة في إعادة التثمين والمعالجة، غير أن جزءا من هذه الكميات يجد طريقه إلى الأسواق المحلية بطرق ملتوية لا تعكس الأهداف المصرح بها عند الاستيراد.
كما تؤكد مصادر "ريف ميديا بريس" أن الواقع الفعلي لسوق الملابس المستعملة بالمغرب يختلف عن الصورة المعلنة، بالنظر إلى حجم الأموال المتداولة داخله ورقم معاملاته الضخم. فبمدن مثل طنجة والدار البيضاء والناظور، يتراوح سعر الكيلوغرام الواحد من الملابس المستعملة بالجملة، في ظاهره، ما بين 20 و40 درهما، غير أن القيمة الحقيقية للمعاملات المالية المتداولة داخل هذا القطاع تبقى أكبر بكثير، بالنظر إلى تعدد الوسطاء وتشعب شبكات التوزيع وإعادة البيع.
وتفيد تقديرات مهنيين وخبراء اقتصاديين بأن رقم المعاملات السنوي لسوق الملابس المستعملة داخل المغرب يتجاوز ما بين 3 و4 مليارات درهم سنويا، بعد انتقال البضاعة عبر سلسلة طويلة من الوسطاء والموزعين وتجار الجملة والتقسيط. كما تشكل أسواق الجملة الكبرى، وعلى رأسها جوطية بن عباد بالقنيطرة، إلى جانب أسواق طنجة وتطوان والناظور والدار البيضاء، مراكز رئيسية لإعادة توزيع هذه السلع نحو مختلف الأسواق الأسبوعية والشعبية بالمملكة.
ولا يقف حجم النشاط عند التداول التجاري فقط، بل يمتد إلى تدفقات ضخمة من المنتجات والنفايات النسيجية، حيث تشير تقارير مرتبطة بالاقتصاد الدائري وإعادة التثمين إلى أن المغرب يتعامل سنويا مع أكثر من 83 ألف طن من المنتجات والمواد النسيجية المستعملة التي تخضع لعمليات الفرز وإعادة الاستخدام أو التدوير أو إعادة التصدير، وهو رقم يكشف حجم القطاع واتساع نطاقه الاقتصادي.
ويحذر مهنيون من الانعكاسات السلبية لهذه التجارة على قطاع Industrie Textile بالمغرب، حيث تواجه المقاولات الوطنية العاملة في النسيج وصناعة الملابس منافسة غير متكافئة من منتجات مستعملة تدخل إلى السوق بأثمان منخفضة، ما ينعكس على القدرة الإنتاجية للمصانع الوطنية وعلى فرص الاستثمار والتشغيل بالمناطق الصناعية، ويؤثر بشكل مباشر على تنافسية المنتوج الوطني داخل السوق الداخلية.
ولا تتوقف تداعيات الظاهرة عند الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى الجانب الصحي، إذ تثير بعض الملابس والأحذية المستعملة المستوردة مخاوف مرتبطة بظروف التخزين والنقل ومصادر الاستعمال السابقة، خاصة عندما يتم تسويقها خارج مسارات المراقبة والفرز والمعالجة المطلوبة.
وفي السنوات الأخيرة، لم تعد تجارة "البال" مقتصرة على الأسواق التقليدية، بل انتقلت بقوة إلى الفضاء الرقمي، حيث تشهد منصات البيع الإلكتروني والإعلانات المبوبة نموا متزايدا في معاملات بيع الملابس المستعملة بين الأفراد، مدفوعة بارتفاع تكاليف المعيشة والبحث عن علامات تجارية بأسعار منخفضة، الأمر الذي يوسع دائرة انتشار هذه التجارة ويجعل مراقبتها أكثر تعقيدا.
كما كشفت مصادر ريف ميديا بريس أن بعض المهربين الصغار من أصحاب مركبات النقل الدولي للأمتعة غير المصحوبة يستغلون المسطرة المبسطة للأمتعة غير المصحوبة أو ما يعرف مهنيا بـ La Décision، لتمرير كميات محدودة من الملابس المستعملة عبر مركبات نقل أمتعة الجالية المغربية المقيمة بالخارج المعفاة من الرسوم الجمركية وفق المسطرة المبسطة، خاصة عبر بعض الوكالات التي تنشط بمدينة بروكسيل البلجيكية بالقرب من محطة Gare du Midi ومناطق Molenbeek وLiège وParis وUtrecht.
غير أن هذه الكميات، بحسب المصادر ذاتها، تبقى محدودة مقارنة بالشحنات الكبرى التي يتم تمريرها عبر الموانئ التجارية تحت غطاء إعادة التدوير أو التثمين أو أغراض أخرى مختلفة.
وتؤكد مصادر "ريف ميديا بريس" أن أساليب تهريب الملابس المستعملة والخوردة تعرف تطورا مستمرا، وأن هناك العديد من المسالك والطرق الملتوية الأخرى التي تعتمدها بعض الشبكات المنظمة لإدخال هذه البضائع إلى السوق الوطنية، وهي الملفات التي ستواصل الجريدة تتبعها وكشف تفاصيلها في مقالات وتحقيقات صحفية لاحقة، في إطار مواكبة هذا الملف الذي يطرح تحديات اقتصادية وصناعية وصحية متزايدة، ويستوجب المزيد من اليقظة والتشديد الرقابي لحماية الاقتصاد الوطني والمقاولة المغربية.
ويبقى السؤال المطروح بإلحاح: إلى أي حد تستطيع أجهزة المراقبة الجمركية والأمنية مواكبة التطور المتسارع لأساليب التهريب المرتبطة بسوق "البال" والخوردة؟ وهل أصبح من الضروري إعادة تقييم منظومة التراخيص والإعفاءات والمساطر المرتبطة بإعادة التدوير والتثمين، بما يضمن عدم تحولها إلى منافذ تستغلها شبكات منظمة لتحقيق أرباح ضخمة على حساب الصناعة الوطنية والصحة العامة ومداخيل الخزينة؟
.jpg)
.jpg)
.jpg)