ريف ميديا بريس: احمد علي المرس
في تحول لافت يحمل أكثر من دلالة اقتصادية واجتماعية، أقرت وزارة الداخلية بشكل واضح بأن منظومة أسواق الجملة بالمغرب بصيغتها التقليدية أصبحت غير قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية ومتطلبات الشفافية والحكامة الجيدة، بعدما تحولت عبر عقود طويلة إلى فضاءات تعج بالاختلالات البنيوية والممارسات غير المنظمة التي أفرزت واقعا معقدا، أصبح فيه المنتج الحلقة الأضعف، والمستهلك الضحية الأخيرة لسلسلة طويلة من الوسطاء والسماسرة.
ان ما يقع داخل عدد من أسواق الجملة بمختلف المدن المغربية ليس مجرد نشاط تجاري عادي قائم على العرض والطلب، بل تشكلت مع مرور الزمن منظومة غير رسمية موازية، نسجت خيوطها بين العرف والممارسة اليومية، حتى أصبحت بعض الظواهر جزءا من الواقع الاعتيادي الذي ألفه المهنيون والمتعاملون داخل هذه الأسواق.
ومن أبرز الإشكالات التي ظلت تثير الجدل، بروز فئة من الوسطاء أو ما يعرف في التداول الشعبي بـ"الشناقة" أو "السماسرة"، إضافة إلى ما يسمى داخل الأوساط المهنية بـ"البوسط"، وهو مصطلح متداول يشير إلى الوسيط الذي لا يملك المنتوج، ولا يتحمل تكاليف الإنتاج أو النقل أو التخزين، لكنه يتحول إلى حلقة فاصلة بين المنتج والمشتري، مستفيدا من هامش ربحي ناتج عن موقعه داخل سلسلة التوزيع.
وتطرح هذه الوضعية أسئلة جوهرية حول الصفة القانونية والتنظيمية التي كان يشتغل بها بعض هؤلاء الوسطاء، وكيف تمكنت بعض الممارسات من الاستمرار لسنوات طويلة داخل فضاءات يفترض أنها تخضع لقواعد مضبوطة للمراقبة والتنظيم والتتبع الإداري.
ففي كثير من الحالات، كان المنتوج الفلاحي أو التجاري يمر عبر عدة حلقات قبل أن يصل إلى المستهلك النهائي، حيث تبدأ الرحلة من المنتج، ثم الناقل، فالوسيط الأول، ثم السمسار، ثم تاجر الجملة، وأحيانا وسيط آخر، قبل أن يصل المنتوج إلى تاجر التقسيط، وهو ما يخلق فارقا كبيرا بين ثمن البيع الأول والثمن النهائي الذي يؤديه المواطن.
هذه السلسلة المعقدة لم تتشكل بين ليلة وضحاها، بل هي نتيجة تراكمات عمرت لعقود، صنعت واقعا اقتصاديا موازيا تحول مع الوقت إلى عرف غير مكتوب بين المزاولين والفاعلين داخل القطاع، حتى أصبح تفكيك هذا النمط التجاري عملية معقدة تحتاج إلى إصلاحات هيكلية عميقة، وإلى إرادة مؤسساتية قوية، بعيدا عن الحلول الترقيعية أو التدابير الظرفية.
كما أن العشوائية التي كانت تعرفها بعض أسواق الجملة، سواء على مستوى تدبير الفضاءات، أو آليات البيع، أو تحديد المسؤوليات، أو مراقبة مسارات السلع، ساهمت في خلق بيئة خصبة للمضاربة والاحتكار غير المباشر، وفتحت المجال أمام ممارسات ظلت محل انتقادات متواصلة من المهنيين والمواطنين على حد سواء.
واليوم، ومع الحديث عن قانون جديد يروم إعادة تنظيم أسواق الجملة وفق معايير أكثر شفافية ووضوحا، يبرز تحد كبير أمام السلطات والفاعلين الاقتصاديين، يتمثل في كيفية الانتقال من نموذج تقليدي مترهل إلى منظومة حديثة تحترم قواعد المنافسة المشروعة، وتحد من تعدد الوسطاء، وتضمن وضوح مسار المنتوج من المنتج إلى المستهلك.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إصدار القوانين، بل في حسن التنزيل، والرقابة الصارمة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن محاربة اقتصاد المضاربة لا تتم بالشعارات، وإنما ببناء منظومة متكاملة تجعل من الشفافية قاعدة، ومن حماية القدرة الشرائية للمواطن هدفا استراتيجيا.
ويبقى السؤال معلقا: هل تنجح الإصلاحات المرتقبة في تفكيك إرث سنوات طويلة من العشوائية والوساطة غير المنظمة، أم أن مقاومة شبكات المصالح ستجعل معركة إصلاح أسواق الجملة أكثر تعقيدا مما تبدو عليه؟

