ريف ميديا بريس: احمد علي المرس
في سياق يتسم بتشديد آليات المراقبة وترشيد النفقات العمومية، شرع عدد من عمال العمالات والأقاليم التابعة لجهات الدار البيضاء ـ سطات، والرباط ـ سلا ـ القنيطرة، ومراكش ـ آسفي، في رفض التأشير على اتفاقيات شراكة كانت قد صادقت عليها مجالس جماعية خلال دورات ماي الأخيرة، والمتعلقة أساسًا بمنح دعم مالي لجمعيات تنشط في قطاعات اجتماعية وصحية وتربوية، في خطوة تعكس توجهاً إدارياً متنامياً نحو إعادة ضبط مسار المال العام وتعزيز الحكامة في تدبير الدعم العمومي.
وحسب معطيات أوردتها مصادر مطلعة لـ"ريف ميديا بريس"، فإن قرارات الرفض استندت إلى ملاحظات وتقارير صادرة عن لجان المفتشية العامة للإدارة الترابية، إلى جانب تقارير المجالس الجهوية للحسابات، والتي وقفت خلال عمليات افتحاص ومراقبة سابقة على اختلالات بنيوية مرتبطة بطريقة صرف الدعم العمومي، وأهداف بعض الجمعيات المستفيدة، فضلاً عن محدودية أثرها التنموي على أرض الواقع.
وتكشف المعطيات ذاتها عن مؤشرات مقلقة ترتبط بتحول بعض الجمعيات إلى فضاءات ذات امتدادات انتخابية ضيقة، يتم عبرها استثمار الدعم العمومي والوسائل اللوجستيكية في صناعة الولاءات واستمالة الأصوات، بعيدًا عن الأهداف النبيلة للعمل الجمعوي، في وقت سجلت فيه تقارير رسمية استفادة جمعيات مقربة من منتخبين نافذين من مبالغ مالية مهمة، مقابل وجود جمعيات وُصفت بـ"النائمة"، لم يسبق لها أن مارست أي نشاط فعلي رغم استمرار استفادتها من الدعم.
كما عرفت دورات ماي الأخيرة، وفق المصادر ذاتها، نقاشات حادة ومشادات داخل عدد من المجالس الجماعية بسبب ملفات دعم الجمعيات، وسط اتهامات باستغلال المال العمومي في سياقات انتخابية مبكرة، ورفع قيمة بعض المنح بشكل يثير أكثر من علامة استفهام، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في ظل التوجيهات الصارمة الصادرة عن وزارة الداخلية، بعدما سبق لوزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أن نبه إلى ظاهرة التوسع غير المنظم للجمعيات على المستوى الوطني، داعيًا إلى ضبط شروط إحداثها ومراقبة أنشطتها ومسارات تمويلها، مع إعطاء الأولوية للمشاريع التنموية ذات الأثر المباشر، خصوصًا في مجالات الماء والطاقة والتشغيل والبنيات الأساسية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم، وفق متابعين للشأن المحلي، هو: ألا يستوجب تعميم مثل هذه الإجراءات الرقابية على مختلف جهات المملكة؟ وألا تستحق الجهة الشرقية، بما تضمه من أقاليم وعمالات، ومعها مناطق الريف الشامخة، فتح ملفات الدعم العمومي الممنوح للجمعيات، خصوصًا تلك التي جرى التأشير عليها خلال دورات ماي الاستثنائية؟
لقد سبق لـ"ريف ميديا بريس" أن أثارت في مقال سابق تساؤلات مرتبطة بكيفية تدبير بعض أوجه الدعم العمومي، وما إذا كانت آليات التتبع والتقييم والمراقبة تقوم بالأدوار المنوطة بها بالشكل المطلوب.
وهنا تبرز مسؤولية أقسام الشؤون الداخلية، ولجان التتبع والتفتيش، والمصالح المختصة على مستوى عمالات وأقاليم الجهة الشرقية، من أجل التدقيق والبحث في الملفات التي حظيت بالموافقة والتمويل، والتأكد من مدى احترامها لمبادئ الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما ينسجم مع التوجيهات الوطنية الرامية إلى تخليق الحياة العامة وترشيد الإنفاق العمومي.
فإذا كانت بعض الجهات قد باشرت عملية المراجعة والتدقيق، فإن الرهان اليوم يتمثل في تعميم المقاربة نفسها على باقي التراب الوطني، حتى لا يتحول الدعم العمومي من أداة للتنمية المجالية وتقوية النسيج المدني، إلى منفذ لإعادة إنتاج شبكات المصالح الضيقة أو توظيف المال العام خارج أهدافه التنموية الحقيقية.
وفي زمن تتعالى فيه الأصوات المطالبة بالشفافية والعدالة المجالية، يبقى السؤال معلقًا: هل تتحرك آليات المراقبة والتفتيش بالجهة الشرقية وأقاليم الريف بنفس الزخم والصرامة، أم أن بعض الملفات ستظل خارج دائرة الضوء والمساءلة؟

