ريف ميديا بريس: هيئة التحرير
مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يعود النقاش السياسي في المغرب إلى الواجهة بقوة، وتتجدد معه الأسئلة المرتبطة بطبيعة السلطة، وحدود الفعل الحزبي، وموقع الإدارة داخل معادلة تدبير الشأن العام. وهي أسئلة ليست وليدة اللحظة، بل رافقت التجربة السياسية المغربية لعقود طويلة، وتجد اليوم امتداداً لها في عدد من القراءات والتحليلات التي يقدمها باحثون ومحللون سياسيون من مشارب فكرية مختلفة.
وفي هذا السياق، أثارت القراءة السياسية التي قدمها المحلل السياسي رشيد البلغيتي نقاشاً واسعاً داخل الأوساط المهتمة بالشأن العام، بعدما اعتبر أن ما سماه بـ"الأغلبية الحقيقية والدائمة" لا تتمثل في الأحزاب السياسية المتعاقبة على تدبير الحكومة، بل في الإدارة بمختلف مؤسساتها وأجهزتها الترابية التي تضمن استمرارية الدولة واستقرارها.
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الطرح، فإن أهمية هذا النقاش تكمن في كونه يسلط الضوء على إحدى الإشكاليات الكبرى التي تشغل الفكر السياسي المغربي المعاصر، والمتعلقة بالعلاقة بين الدولة باعتبارها مؤسسة مستمرة، وبين الفاعلين السياسيين المنتخبين الذين يتغيرون بتغير موازين القوى داخل صناديق الاقتراع.
إن المتتبع لتطور الدولة الحديثة في مختلف أنحاء العالم يلاحظ أن استقرار الأنظمة السياسية لا يرتبط فقط بنتائج الانتخابات أو بتداول الأحزاب على السلطة، بل يعتمد أساساً على وجود مؤسسات قوية قادرة على ضمان استمرارية الدولة والحفاظ على الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فالحكومات تتغير، والبرامج الانتخابية تتبدل، والأحزاب تصعد وتهبط، لكن الدولة بمؤسساتها الدستورية والإدارية تبقى قائمة تؤدي وظائفها الاستراتيجية وتؤمن استمرارية المرافق العمومية وحماية المصالح العليا للوطن.
ومن هذا المنطلق، يرى عدد من الباحثين أن قوة الدولة لا تقاس فقط بمدى نفوذ الحكومات المنتخبة، وإنما أيضاً بقدرة مؤسساتها على تنفيذ السياسات العمومية وضمان استمراريتها على المدى الطويل. وهي الفكرة التي يجد فيها بعض المحللين تفسيراً لاستمرار المشاريع الكبرى للدولة رغم تعاقب الحكومات واختلاف التوجهات الحزبية.
ومع اقتراب الانتخابات المقبلة، تبدو هذه الأسئلة أكثر حضوراً من أي وقت مضى، خصوصاً في ظل تنامي النقاشات الفكرية داخل الأوساط اليسارية وبين المعارضين المستقلين والفاعلين غير المنتمين تنظيمياً للأحزاب السياسية التقليدية. فهذه التيارات الفكرية تطرح باستمرار أسئلة مرتبطة بحدود الفعل الحزبي، وطبيعة توزيع السلطة داخل الدولة، ومدى قدرة المؤسسات المنتخبة على التأثير الفعلي في صناعة القرار العمومي.
كما أن الفكر اليساري المغربي، بمختلف مدارسه وتياراته، ظل تاريخياً من أكثر الحقول السياسية انشغالاً بمسألة العلاقة بين الدولة والسلطة والمجتمع، حيث اعتبر العديد من رموزه أن الديمقراطية لا تكتمل فقط عبر تنظيم الانتخابات، بل أيضاً من خلال توسيع مجالات المشاركة السياسية وتعزيز أدوار المؤسسات المنتخبة وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي المقابل، يرى اتجاه آخر أن المغرب استطاع، بفضل قوة مؤسساته واستمرارية الدولة، تجاوز العديد من الهزات والأزمات التي عرفتها المنطقة، وأن المحافظة على الاستقرار السياسي والأمني تشكل أولوية استراتيجية لا تقل أهمية عن الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويستند هذا الرأي إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن الدول التي فقدت توازن مؤسساتها دخلت في دوامات من عدم الاستقرار أثرت على أمنها وتنميتها ووحدتها الوطنية.
وبين هذين المنظورين، يستمر النقاش السياسي المغربي في البحث عن معادلة تحقق التوازن بين استمرارية الدولة وقوة مؤسساتها من جهة، وبين تطوير الممارسة الديمقراطية وتعزيز أدوار الأحزاب والنخب المنتخبة من جهة أخرى.
ومع اقتراب موعد الاستحقاقات المقبلة، يبدو أن الرهان الحقيقي لن يكون فقط حول من سيفوز بالمقاعد أو من سيشكل الأغلبية الحكومية، بل حول قدرة الفاعل السياسي المغربي على إقناع المواطن بجدوى المشاركة السياسية، وإعادة الثقة في العمل الحزبي، وفتح نقاش فكري عميق حول مستقبل الديمقراطية والتنمية والحكامة الجيدة في المملكة.
إن ما يطرحه رشيد البلغيتي، وما يطرحه في المقابل العديد من الباحثين والمفكرين والفاعلين السياسيين المستقلين، يؤكد أن المغرب يعيش حيوية فكرية وسياسية متجددة، وأن الانتخابات المقبلة ستكون مناسبة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالدولة والسلطة والمجتمع والتنمية، في أفق بناء نموذج سياسي أكثر نجاعة وقدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
