بقلم: هيئة تحرير ريف ميديا بريس
في خطوة تشريعية أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط القضائية والحقوقية، كشفت المستجدات التي حملها القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية عن تحول نوعي في فلسفة التعاطي مع عقوبة الإعدام بالمغرب، بعدما أصبحت هذه العقوبة الاستثنائية خاضعة لشرط الإجماع الكامل بين أعضاء هيئة الحكم، بدل الاكتفاء بالأغلبية كما كان معمولًا به سابقًا.
ويبدو أن المشرع المغربي يتجه نحو تشديد الضمانات الإجرائية المرتبطة بأخطر العقوبات الجنائية، في إطار مقاربة قانونية تستحضر حماية الحق في الحياة باعتباره حقًا دستوريا أصيلا، وتراعي في الآن ذاته الالتزامات الدولية للمملكة في مجال حقوق الإنسان.
وقد عممت المديرية العامة للشؤون القضائية التابعة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية مذكرة تفسيرية على مختلف القضاة، لتوضيح المقتضيات الجديدة الواردة في المادة 430 من قانون المسطرة الجنائية، والتي أضفت طابعًا استثنائيًا على آلية إصدار الأحكام القاضية بالإعدام.
وبحسب المذكرة، فإن هيئة الحكم بغرفة الجنايات مطالبة بالتداول بشأن الإدانة والعقوبة في إطار السلطة التقديرية المخولة لها قانونًا، مع مراعاة الظروف المشددة أو المخففة والأعذار القانونية، وكذا إمكانية تطبيق العقوبات الإضافية أو التدابير الوقائية أو إيقاف التنفيذ متى توفرت شروطه القانونية.
غير أن المستجد الأكثر إثارة يتمثل في اشتراط الإجماع المطلق لجميع أعضاء هيئة الحكم قبل النطق بعقوبة الإعدام، مع إلزام المحكمة بالتنصيص الصريح على هذا الإجماع داخل منطوق الحكم القضائي، وهو ما يشكل قيدًا إجرائيًا جديدًا يرفع من معيار اليقين القضائي ويحد من احتمالات الخطأ القضائي الذي قد يترتب عنه مساس غير قابل للجبر بالحق في الحياة.
ولم يقف المشرع عند هذا الحد، بل ألزم رئيس الجلسة بتحرير محضر خاص بالمداولة يثبت تحقق الإجماع بين القضاة، على أن يوقع عليه جميع أعضاء الهيئة القضائية ويضم إلى وثائق الملف، بما يعزز مبدأ الأمن القضائي ويكرس قواعد الشفافية والمسؤولية القضائية في تدبير القضايا ذات الطبيعة الجنائية القصوى.
وتستند هذه المقتضيات الجديدة إلى مرجعيات دستورية ودولية واضحة، وعلى رأسها الفصل 20 من دستور 2011 الذي ينص على أن الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان ويحميه القانون، فضلًا عن أحكام المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تدعو إلى تضييق نطاق تطبيق عقوبة الإعدام في الدول التي لم تلغها بعد.
ويأتي هذا التطور التشريعي في سياق نقاش وطني متواصل حول مستقبل عقوبة الإعدام بالمغرب، بين تيار يدعو إلى الإلغاء النهائي انسجامًا مع المواثيق الدولية وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وتيار آخر يتمسك بالإبقاء عليها باعتبارها وسيلة للردع العام وحماية النظام العام الجنائي.
ويرى عدد من المتتبعين للشأن القانوني أن اشتراط الإجماع القضائي الكامل قد يشكل تحولًا عميقًا في السياسة الجنائية المغربية، بل يعتبره البعض بمثابة "تقليص تشريعي غير مباشر" لنطاق إصدار أحكام الإعدام، خاصة وأن تحقيق الإجماع بين أعضاء هيئة الحكم يظل أمرًا بالغ الصعوبة في العديد من الملفات الجنائية المعقدة.
وبين مقتضيات الردع الجنائي وضمانات المحاكمة العادلة، يبدو أن المشرع المغربي يسعى إلى إرساء معادلة دقيقة تقوم على تعزيز الحماية القانونية للحق في الحياة، دون المساس بالتوازنات الجنائية التي يفرضها الحفاظ على الأمن المجتمعي.
ويبقى السؤال القانوني مطروحًا بقوة داخل الأوساط القضائية والحقوقية: هل يشكل شرط الإجماع القضائي خطوة تمهيدية نحو الإلغاء التدريجي لعقوبة الإعدام بالمغرب، أم أنه مجرد تعزيز للضمانات الإجرائية دون المساس بجوهر العقوبة؟
إن الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال الذي يزداد حضورًا في قلب النقاش التشريعي والحقوقي بالمملكة.
