ريف ميديا بريس: احمد علي المرس
في إطار مواكبتها للملفات التي تشغل الرأي العام الوطني، تواصل *ريف ميديا بريس* تتبع النقاش الدائر حول ملف الدعم العمومي الموجه لقطاع الماشية، وهو الملف الذي تحول من قضية اقتصادية مرتبطة بتدبير آثار الجفاف والحفاظ على القطيع الوطني، إلى قضية سياسية وأخلاقية تطرح أسئلة جوهرية حول الحكامة والشفافية وآليات المساءلة. فحين يصبح مجرد البحث عن الحقيقة موضوعاً للخلاف، تنتقل القضية من مستوى الأرقام والمعطيات إلى مستوى الثقة في المؤسسات وقدرتها على إقناع المواطنين بسلامة القرارات العمومية.
لقد تأسست الديمقراطية التمثيلية على مبدأ واضح مفاده أن المنتخبين يمثلون الأمة بأكملها، ويدافعون عن المصلحة العامة قبل أي اعتبار آخر. غير أن الجدل الذي رافق هذا الملف أعاد إلى الواجهة مفهوم Conflit d'intérêts أو تضارب المصالح، وهو مفهوم قانوني واقتصادي يحضر بقوة عندما تتداخل مواقع القرار السياسي مع المصالح الاقتصادية الخاصة. وهنا يحق للرأي العام أن يتساءل: كيف يمكن إقناع المواطن بسلامة التدبير العمومي إذا كانت الشكوك تحوم حول طبيعة العلاقة بين بعض مراكز القرار وبعض دوائر النفوذ الاقتصادي؟ وكيف يمكن تعزيز الثقة في المؤسسات إذا بدا أن هناك من يفضل إغلاق أبواب التحقيق بدل فتحها أمام الرأي العام؟
ومن خلال قراءتها لمختلف التفاعلات السياسية والإعلامية المرتبطة بهذا الملف، ترى *ريف ميديا بريس* أن جوهر النقاش لا يتعلق فقط بحجم الأموال المرصودة أو عدد المستفيدين المحتملين، بل يتعلق أساساً بمدى احترام مبدأ Redevabilité Publique أو المساءلة العمومية. فالديمقراطية لا تخشى لجان التقصي، بل تعتبرها إحدى أدواتها الطبيعية. أما حين تتحول المطالبة بالحقيقة إلى مصدر إزعاج، فإن ذلك يفتح الباب أمام التأويلات ويغذي الشعور بوجود ما يمكن تسميته بـ"أرخبيل المصالح المتشابكة"، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والسياسية داخل جغرافية نفوذ خفي يصعب على المواطن العادي إدراك حدوده وتأثيراته.
وفي علم الاقتصاد السياسي، يبرز مفهوم Capture de l'État أو "الاستيلاء الناعم على القرار العمومي"، لوصف الحالات التي تصبح فيها السياسات العمومية عرضة لتأثير مراكز القوة الاقتصادية أكثر من خضوعها لمنطق الصالح العام. ولا يعني استحضار هذا المفهوم توجيه اتهامات لأشخاص أو جهات بعينها، بقدر ما يسلط الضوء على المخاطر التي قد تنشأ عندما تغيب الشفافية الكافية أو تتراجع آليات الرقابة الفعالة. فالمجتمعات الحديثة لا تقاس فقط بحجم استثماراتها أو مؤشرات نموها، بل أيضاً بقدرتها على ضمان استقلالية القرار العمومي عن أي تأثيرات قد تمس جوهر العدالة الاقتصادية.
لقد تابعت *ريف ميديا بريس* باهتمام بالغ النقاش العمومي الذي رافق هذا الملف، ولاحظت أن جزءاً كبيراً من الرأي العام لم يعد يطالب فقط بمعرفة الأرقام أو أسماء المستفيدين، بل أصبح يبحث عن إجابات تتعلق بفعالية الدعم ذاته. فإذا كانت مليارات الدراهم قد رُصدت بالفعل لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية محددة، فمن حق المواطنين معرفة مدى انعكاس ذلك على أسعار اللحوم، وعلى أوضاع المربين الصغار، وعلى القدرة الشرائية للأسر المغربية. فالأموال العمومية ليست مجرد أرقام في تقارير إدارية، بل هي جزء من عقد الثقة الذي يربط الدولة بالمجتمع.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المؤسسات ليس النقد، بل اتساع دائرة الشكوك. فحين تتراجع الشفافية وتتقلص مساحات التوضيح، يزداد الإحساس بوجود "هندسة للصمت السياسي" و"مناعة اصطناعية ضد المحاسبة"، وهي تعابير أصبحت تجد صداها في النقاشات العمومية التي تعكس تنامي القلق بشأن مستقبل الحكامة والرقابة. وفي المقابل، فإن الكشف عن الحقائق وتوفير المعطيات الدقيقة للرأي العام يبقى الطريق الأقصر نحو تعزيز الثقة واستعادة المصداقية.
ومن هذا المنطلق، تؤكد *ريف ميديا بريس* أن قوة المؤسسات لا تُقاس بقدرتها على تجنب الأسئلة المحرجة، بل بقدرتها على الإجابة عنها بكل وضوح ومسؤولية. فالأوطان لا تُبنى بهندسة الصمت، ولا بإدارة الشكوك، ولا بتحصين الملفات خلف جدران التوافقات الظرفية، بل تُبنى عندما تكون الحقيقة فوق المصالح، والمساءلة فوق الحسابات، والمصلحة العامة فوق كل اعتبار. لأن الشرعية الانتخابية، مهما كانت قوية، تظل في حاجة دائمة إلى سند أخلاقي قوامه الشفافية والوضوح وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي المبادئ التي تشكل أساس أي مشروع ديمقراطي وتنموي حقيقي.



