ريف ميديا بريس – أحمد علي المرس
الإثنين 01 يونيو 2026
بين استثمارات دولية بمليارات الدراهم وانتظارات آلاف الشباب.. ملف التشغيل يضع المؤسسات المنتخبة بإقليم الناظور أمام اختبار الترافع والإنصاف التنموي،مع اقتراب العد التنازلي لدخول مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط مرحلة التشغيل الفعلي، بدأت تتجه الأنظار نحو أحد أكثر الملفات حساسية وإثارة للنقاش داخل إقليم الناظور وعموم جهة الشرق، ويتعلق الأمر بملف التشغيل والاستفادة من فرص العمل التي يعد بها هذا الورش الاستراتيجي الضخم، الذي قدم منذ انطلاقه باعتباره رافعة اقتصادية كبرى ومشروعا مهيكلا قادرا على إحداث تحول عميق في البنية الاقتصادية واللوجستيكية للمنطقة.
غير أن الإعلان الأخير الصادر عن شركة West Med Container Terminal بشأن تنظيم أيام مفتوحة للتوظيف بمدينة وجدة يومي الخميس 4 يونيو 2026 والجمعة 5 يونيو 2026، أعاد إلى الواجهة جملة من التساؤلات المشروعة حول طبيعة المقاربة المعتمدة في تدبير الموارد البشرية المرتبطة بالمشروع، وحول مدى استفادة أبناء إقليم الناظور والجماعات الترابية المجاورة للميناء من فرص الشغل المنتظرة.
ففي الوقت الذي كانت فيه الساكنة المحلية تنتظر أن تتحول مدينة الناظور إلى مركز استقطاب للكفاءات والباحثين عن العمل في إطار هذا المشروع العملاق، فوجئ كثيرون بتنظيم أولى عمليات الاستقطاب المهني بمدينة وجدة، الأمر الذي فتح الباب أمام نقاش واسع حول مفهوم العدالة المجالية، وتكافؤ الفرص، وأحقية الساكنة المحلية في الاستفادة من الثمار الاقتصادية لمشروع يقام فوق ترابها ويستثمر مواردها ومؤهلاتها الاستراتيجية.
وتتابع ريف ميديا بريس باهتمام بالغ مختلف التطورات المرتبطة بهذا المشروع الاستراتيجي، بالنظر إلى انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية على إقليم الناظور وجهة الشرق، خاصة وأن ملف التشغيل أصبح يشكل أحد أهم المؤشرات التي سيقاس بها نجاح هذا الورش التنموي الكبير.
ويعد ميناء الناظور غرب المتوسط أحد أكبر المشاريع البنيوية والاستراتيجية التي أطلقتها المملكة خلال العقود الأخيرة، حيث تم تصميمه ليكون منصة مينائية ولوجستيكية وصناعية متكاملة قادرة على استقطاب الاستثمارات الدولية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني ضمن سلاسل التجارة البحرية العالمية.
ويستفيد المشروع من موقع جغرافي استثنائي على الواجهة المتوسطية للمملكة، بالقرب من أهم الممرات البحرية الدولية، ما يؤهله للعب أدوار محورية في مجال Transbordement وإعادة شحن الحاويات، واستقبال السفن العملاقة، وربط الأسواق الإفريقية والأوروبية والآسيوية بشبكات النقل البحري العالمية.
وتشير المعطيات التقنية المتوفرة إلى أن محطة الحاويات الغربية التي ستشغلها شركة West Med Container Terminal تتوفر على رصيف بحري يبلغ طوله 900 متر، وعمق يصل إلى 18 مترا، وتمتد على مساحة تناهز 60 هكتارا، بطاقة استيعابية تصل إلى 1.8 مليون حاوية سنويا، مع تجهيزها بثماني رافعات عملاقة من الجيل الجديد قادرة على معالجة الحاويات وفق أعلى المعايير الدولية المعتمدة في صناعة الموانئ. و تجدر الإشارة إلى أن الجهة التي أعلنت عن التوظيف ليست شركة "ناظور غرب المتوسط" صاحبة المشروع، وإنما شركة West Med Container Terminal، وهي شركة مشتركة أنشئت في إطار شراكة استراتيجية تجمع بين مجموعة Marsa Maroc بنسبة 51 في المائة، والمجموعة البحرية العالمية CMA CGM بنسبة 49 في المائة، وذلك في إطار عقد استغلال طويل الأمد يمتد لخمسة وعشرين سنة.
وتندرج هذه الشراكة ضمن ما يعرف في القانون الاقتصادي الدولي بعقود Concession Portuaire، أي عقود الامتياز المينائي التي تمنح للمشغلين حق الاستثمار والاستغلال مقابل احترام دفتر تحملات صارم يحدد الالتزامات الاستثمارية والتقنية والاجتماعية. غير أن الجانب الذي استأثر باهتمام الرأي العام المحلي لم يكن الجوانب التقنية أو الاستثمارية للمشروع بقدر ما كان مرتبطا بالسؤال الاجتماعي المرتبط بالتشغيل.
فلماذا تم اختيار وجدة بدل الناظور لاحتضان أيام التوظيف؟
وهل يتعلق الأمر بخيار تنظيمي صرف أم بمؤشر على اعتماد مقاربة جهوية واسعة تتجاوز الإطار المحلي؟ وهل توجد اتفاقيات مسبقة تضمن نسبة معينة من فرص الشغل لأبناء الإقليم؟ وهل تم إعداد برامج تكوين وتأهيل لفائدة شباب المناطق المجاورة للميناء حتى يكونوا قادرين على المنافسة في هذه المناصب الجديدة؟
إن هذه الأسئلة تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى أن فلسفة المشاريع التنموية الكبرى لا تقتصر على تحقيق العائد الاقتصادي فحسب، بل تشمل أيضا تحقيق الإدماج الاجتماعي والتنمية الترابية وخلق القيمة المضافة المحلية.
وتفيد المعطيات التي قامت ريف ميديا بريس بتجميعها من خلال تتبعها للملف، أن موضوع التشغيل أصبح من أكثر القضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام المحلي، خاصة في ظل ارتفاع سقف الانتظارات المرتبطة بما سيوفره المشروع من فرص مهنية واستثمارية خلال السنوات المقبلة.
وبالعودة إلى المؤسسات المتدخلة في هذا الورش، يتبين أن ملف التشغيل لا يقتصر على الشركة المشغلة وحدها، بل يشمل منظومة مؤسساتية متكاملة تضم عدة فاعلين عموميين وترابيين.
وفي مقدمة هؤلاء الفاعلين نجد الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، التي تضطلع بأدوار محورية في استقبال طلبات الترشيح، والانتقاء الأولي للمترشحين، وإعداد قواعد بيانات الكفاءات، وتنظيم المقابلات المهنية، ومواكبة برامج التكوين وإعادة التأهيل المهني.
كما يعتبر مجلس جهة الشرق أحد أبرز المتدخلين بحكم الاختصاصات التي يمنحها له القانون التنظيمي للجهات في مجالات التنمية الاقتصادية، ودعم الاستثمار، والتشغيل، والتكوين المهني، وتأهيل الرأسمال البشري.
وهنا يطرح سؤال آخر لا يقل أهمية:
ما هي البرامج التي أعدها مجلس جهة الشرق لتكوين شباب الناظور والدريوش وباقي الجماعات المجاورة للميناء؟
وهل توجد شراكات حقيقية مع الجامعات والمعاهد العليا ومؤسسات التكوين المهني لإعداد كفاءات محلية قادرة على ولوج سوق الشغل الجديد الذي سيفرضه المشروع؟
غير أن النقاش الدائر اليوم داخل إقليم الناظور لا يتوقف عند حدود الشركات المشغلة أو المؤسسات المركزية فقط، بل يمتد ليشمل أداء عدد من الهيئات المنتخبة التي يفترض فيها أن تكون في مقدمة المدافعين عن مصالح الساكنة المحلية. فمع اقتراب موعد يومي الخميس 4 يونيو 2026 والجمعة 5 يونيو 2026 المخصصين لتنظيم أيام التوظيف بمدينة وجدة، يطرح العديد من المتتبعين سؤالاً جوهرياً حول الحصيلة الترافعية لمجلس إقليم الناظور وعدد من المنتخبين الذين يمثلون الإقليم داخل المؤسسات المنتخبة على المستويات المحلية والجهوية والوطنية.
فإذا كان مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط لم يولد اليوم، بل يعد ثمرة سنوات طويلة من الدراسات والتخطيط والإنجاز والاستثمارات العمومية الضخمة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا أعدت هذه المؤسسات المنتخبة خلال كل هذه السنوات من أجل تأهيل أبناء الإقليم وتمكينهم من الاستفادة من فرص الشغل المرتقبة؟ وأين هي البرامج الاستباقية التي كان من المفترض أن تجعل شباب المنطقة في مقدمة المستفيدين من هذا التحول الاقتصادي غير المسبوق؟
ويرى عدد من الفاعلين والمتتبعين أن ضعف الترافع المؤسساتي حول ملف التشغيل المرتبط بالميناء يثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة وأن المشروع يشكل أكبر ورش اقتصادي عرفه الإقليم منذ عقود. فبينما كانت الساكنة تنتظر مبادرات عملية ولقاءات مباشرة مع المستثمرين والشركات المشغلة ومؤسسات التكوين، ظل النقاش العمومي حول التشغيل محدوداً، في وقت كانت فيه الحاجة ملحة إلى بلورة رؤية واضحة تضمن حضوراً قوياً للكفاءات المحلية داخل مختلف المناصب المرتبطة بالميناء.
كما تطرح الساكنة تساؤلات متزايدة حول حصيلة مجلس إقليم الناظور في مواكبة هذا المشروع الاستراتيجي، وحول مدى نجاحه في استثمار سنوات إنجاز الميناء لإطلاق برامج تكوين وتأهيل وشراكات عملية مع الجامعات ومؤسسات التكوين المهني والفاعلين الاقتصاديين. فالمشروع لم يكن مفاجأة، بل كان ورشاً معلناً منذ سنوات، الأمر الذي كان يقتضي تعبئة سياسية وتنموية استثنائية تواكب التحولات المنتظرة وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها أبناء الإقليم في قلب الدينامية الاقتصادية الجديدة.
وفي ظل هذه المعطيات، يجد العديد من المواطنين أنفسهم اليوم أمام تساؤلات مشروعة حول مدى قيام المنتخبين بالأدوار التمثيلية والترافعية المنوطة بهم، وحول قدرة المؤسسات المحلية على مواكبة مشروع بحجم ميناء الناظور غرب المتوسط، ليس فقط من خلال الخطابات والتصريحات، بل عبر إجراءات ملموسة تضمن تحويل هذا الورش الاستراتيجي إلى فرصة حقيقية للتشغيل والتنمية والعدالة المجالية لفائدة أبناء الإقليم.
أما على المستوى الترابي، فإن عمالة إقليم الناظور تضطلع بدور محوري في مواكبة تنزيل المشروع من خلال التنسيق بين مختلف المصالح الخارجية للدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية.
كما أن عامل إقليم الناظور، باعتباره ممثل السلطة المركزية على المستوى الترابي، يشرف على تتبع المشاريع الاستراتيجية وضمان انسجام تدخلات مختلف الفاعلين وإزالة العراقيل الإدارية والعقارية التي قد تعترض مسار الاستثمار.
ومن بين المؤسسات الأخرى التي ستلعب أدوارا أساسية في مرحلة التشغيل نجد إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، باعتبارها الفاعل الرئيسي في مراقبة تدفقات السلع والبضائع وتطبيق المقتضيات المرتبطة بالتخليص الجمركي ومكافحة الغش والتهريب.
كما يبرز دور وزارة النقل واللوجستيك، والوكالة الوطنية للموانئ، والمكتب الوطني للسكك الحديدية، فضلا عن شركات الملاحة الدولية والمستثمرين الصناعيين واللوجستيكيين الذين سيشكلون النسيج الاقتصادي المحيط بالميناء.
ومن المنتظر أن تشمل فرص الشغل المباشرة تخصصات متعددة من بينها العمليات المينائية، وإدارة الأرصفة، وسلسلة التوريد، والهندسة الصناعية، والميكاترونيك، ونظم المعلومات، والدعم اللوجستيكي، وتدبير الحاويات، ومراقبة الجودة، والسلامة الصناعية.
غير أن التجارب الدولية تؤكد أن الأثر الاقتصادي الحقيقي للموانئ الكبرى لا يقاس فقط بعدد الوظائف المباشرة، وإنما أيضا بما تخلقه من أنشطة غير مباشرة مرتبطة بالنقل والتخزين والتوزيع والوساطة الجمركية والصيانة والخدمات اللوجستيكية.
وفي هذا السياق يبرز مفهوم Supply Chain Management أو تدبير سلاسل الإمداد، باعتباره أحد أهم المحركات الاقتصادية المرتبطة بالموانئ الحديثة، إلى جانب مفهوم Zone Logistique Intégrée الذي يشير إلى المناطق اللوجستيكية المندمجة القادرة على استقطاب الصناعات والخدمات ذات القيمة المضافة العالية.
وبحسب قراءات وتحليلات أنجزتها ريف ميديا بريس استناداً إلى المعطيات المتوفرة، فإن نجاح المشروع لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات والبنيات التحتية المنجزة، بل كذلك بمدى قدرته على خلق فرص شغل حقيقية ومستدامة لفائدة شباب المنطقة وتحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كان ميناء الناظور غرب المتوسط سيكرر تجربة النجاح التي حققها ميناء طنجة المتوسط في مجال التشغيل والاستثمار، أم أن غياب رؤية واضحة بشأن الإدماج المحلي قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين تطلعات الساكنة والنتائج المحققة على أرض الواقع.
إن الرهان الحقيقي لم يعد مرتبطا فقط بإنجاز الأرصفة وتجهيز المحطات واستقطاب الخطوط البحرية الدولية، بل أصبح مرتبطا بمدى قدرة مختلف الفاعلين المؤسساتيين على تحويل هذا المشروع العملاق إلى أداة فعلية للتنمية المحلية وخلق الثروة وتحقيق العدالة المجالية.
فبين طموحات الاستثمار الدولي وانتظارات الشباب الباحث عن فرص العمل، وبين منطق التنافسية الاقتصادية ومتطلبات الإنصاف الاجتماعي، يظل ملف التشغيل بميناء الناظور غرب المتوسط أحد أبرز الملفات التي تستوجب المزيد من الشفافية والتواصل والتوضيح من قبل مختلف المتدخلين.
وفي هذا السياق، تواصل ريف ميديا بريس مواكبة هذا الورش الاستراتيجي ورصد مختلف التحولات المرتبطة به، سواء على مستوى الاستثمار أو التشغيل أو الأثر التنموي المنتظر على المنطقة، إيماناً منها بدور الصحافة المهنية في تتبع المشاريع العمومية الكبرى وإثارة النقاش العمومي حول القضايا ذات الصلة بالتنمية المحلية والعدالة المجالية.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الجميع جوابه خلال السنوات القليلة المقبلة: هل سيكون ميناء الناظور غرب المتوسط قاطرة حقيقية لتنمية إقليم الناظور وجهة الشرق، أم أن أبناء المنطقة سيجدون أنفسهم مرة أخرى متفرجين على مشروع عملاق شُيّد فوق أرضهم دون أن ينالوا نصيبهم العادل من ثماره الاقتصادية والاجتماعية؟
وهل ستنجح مختلف المؤسسات المتدخلة في تحويل هذا الحلم التنموي إلى واقع ملموس ينعكس على التشغيل والاستثمار وخلق الثروة، أم أن ملف التشغيل سيظل عنواناً لأسئلة مؤجلة تنتظر أجوبة واضحة من أصحاب القرار؟




Slm chno homa chorot dyal l5idma mohtam
ردحذفشكرا موقع ريف ميديا بريس على هذه القراءة القيمة لهذا الموضوع الهام المرتبط بمشروع ميناء غرب المتوسط.
ردحذفما الفائدة من مشروع ضخم ان لم ينعكس ايجابا على التنمية المحلية اولا ثم الاقليمية والجهوية والوطنية ثانية.