بقلم: أحمد علي المرس ريف ميديا بريس
في خِضَمِّ المشاهد التي هزّت الرأي العام خلال الأحداث الأخيرة بمدينة سبتة المحتلة، لم تكن الصور مجرّد لقطاتٍ عابرة التقطتها عدسات المصورين، بل غدت وثائقَ بصريةً تختزل مفارقةً أخلاقيةً عميقةً بين مفهومين متباينين في تدبير الأزمات: القانون حين يتكئ على الإنسانية، والقانون حين يتجرد من روح الرحمة.
لقد كشفت تلك المشاهد عن وجوهٍ متناقضة في التعامل مع موجات الهجرة غير النظامية، حيث امتزجت الفوضى بالهلع، وتداخلت أصوات الأطفال مع هدير الأمواج، بينما كان رجال الأمن على الضفتين يؤدون واجبهم، غير أن طريقة الأداء اختلفت باختلاف العقيدة المهنية والتكوين النفسي والإنساني.
إن رجل الأمن، في جوهر رسالته، ليس مجرد منفذٍ للنصوص القانونية، وإنما هو حارسٌ للسِّلم الاجتماعي، وراعيةٌ للأرواح قبل الحدود. فالقوانين وُضعت لحماية الإنسان، لا لتحويله إلى خصمٍ ينبغي كسره أو إذلاله.
فالصور القادمة من الجانب الإسباني أظهرت عناصر من الحرس المدني الإسباني وهم يحملون أطفالًا، ويُخرجون الغرقى من المياه، ويقدّمون الإسعافات الأولية، ويهدئون روع الصغار الذين وجدوا أنفسهم وسط مشهدٍ يفوق قدرتهم على الاستيعاب. لم يكن ذلك تخليًا عن القانون، بل كان تجسيدًا لمبدأ يعرف في العقيدة الأمنية الحديثة بـ Gestion humanitaire des crises، أي الإدارة الإنسانية للأزمات، حيث يُقدَّم إنقاذ الأرواح على أي إجراء إداري أو قانوني.
وفي المقابل، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مشاهد تُظهر أحد عناصر القوات المساعدة المغربية وهو يصرخ في وجه شاب حاول التشبث بالصخور، بدل أن يمد إليه يد العون لتجنيبه السقوط. ولا يمكن الجزم من خلال مقطع واحد بأن هذا السلوك يعكس أداء جميع العناصر أو المؤسسة بأكملها، إذ لا يصح تعميم تصرف فردي على جميع أفراد جهاز أمني. ومع ذلك، فإن مثل هذه المشاهد تثير نقاشًا مشروعًا حول أهمية التكوين في إدارة المواقف الإنسانية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمواطنين يوجدون في أوضاع شديدة الخطورة.
وهنا يبرز الفرق بين تنفيذ القانون وإدارة الأزمة.
فالشرطي أو العسكري المحترف يدرك أن الأزمة ظرفٌ استثنائي، وأن الغضب والاندفاع لا يصنعان أمنًا مستدامًا، بل قد يزيدان من تعقيد الموقف. لذلك تعتمد كثير من الأجهزة الأمنية الحديثة على مبدأ Désescalade opérationnelle، أي خفض التصعيد الميداني، وهو أسلوب يقوم على تهدئة التوتر، وتقليل احتمالات وقوع إصابات، والتعامل مع الإنسان باعتباره كائنًا يحتاج إلى الحماية حتى وإن كان مخالفًا للقانون.
إن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الصور أن الحرس المدني الإسباني كان يمنع المهاجرين من دخول المدينة، لكنه في الوقت نفسه كان يحمل الأطفال بين ذراعيه، وينتشل الغرقى من البحر، ويقدم الماء والإسعافات لمن أنهكه التعب. لقد فصل بين المخالفة القانونية والكرامة الإنسانية.
أما حين تتحول مهمة رجل الأمن إلى مجرد منع المواطن بأي وسيلة، دون مراعاة لسلامته الجسدية، فإن القانون يفقد شيئًا من رسالته الأخلاقية. فالمواطن، مهما أخطأ، يبقى إنسانًا، وقد يكون أخًا أو ابنًا أو قريبًا لأحد أفراد الجهاز الأمني نفسه. وهذه الحقيقة تفرض أن يكون التعامل قائمًا على الحكمة والانضباط وضبط النفس.
ولعل العقيدة الأمنية المعاصرة أصبحت تقوم على مفهوم ثالث لا يقل أهمية، هو Proportionnalité de l'usage de la force، أي التناسب في استعمال القوة. فالقوة ليست غايةً في ذاتها، وإنما وسيلة تُستخدم بقدر الضرورة، وبما يحفظ الأرواح ويصون الكرامة الإنسانية.
إن معالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية لا تبدأ عند السياج الحدودي، ولا تنتهي عند دورية أمنية، وإنما هي قضية مركبة تتشابك فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية. فالشباب الذين يغامرون بحياتهم في البحر أو عند الأسوار لا يفعلون ذلك في الغالب بدافع المغامرة، بل تحت وطأة اليأس، وضيق الأفق، وانسداد الفرص.
ولهذا، فإن رجل الأمن ليس خصمًا للمواطن، كما أن المواطن ليس عدوًا لرجل الأمن. كلاهما ينتمي إلى المجتمع ذاته، ويتقاسمان المصير نفسه، وإن اختلفت الأدوار.
إن الدولة القوية ليست تلك التي تُكثر من استعمال القوة، بل تلك التي تُحسن استعمالها. وليست المؤسسة الأمنية العظيمة هي التي تُرهب الناس، وإنما التي تجعلهم يشعرون بأن القانون يحميهم حتى في لحظات ضعفهم.
ولعل الصور التي وثقت تلك الأحداث ستبقى شاهدًا على أن الإنسانية ليست نقيضًا للأمن، بل هي أسمى تجلياته، وأن اليد التي تنقذ حياة إنسان، مهما كانت صفته، أقوى أثرًا في بناء الثقة من ألف هراوة وألف صرخة

