يبدو أن ميناء الناظور غرب المتوسط، الواقع بمنطقة بويافر بإقليم الناظور، يقترب من الانتقال من مرحلة الإنشاء والتجهيز إلى مرحلة التشغيل الفعلي، في تطور يحمل رهانات اقتصادية ولوجستية كبرى بالنسبة إلى جهة الشرق والريف والمغرب عموماً.
ووفقاً لآخر المعطيات المتداولة ميدانياً، رست أول سفينة حاويات تابعة لشركة MSC بالميناء، في إطار اختبار المعدات والتجهيزات الجديدة، فيما يُرتقب وصول سفينة ثانية تابعة للشركة نفسها يوم 10 شتنبر 2026. وتأتي هذه العمليات في سياق الاختبارات التقنية والتشغيلية التي تسبق الانطلاقة التجارية الفعلية.
وتتركز الأعمال الحالية أساساً على المنصة الشرقية للميناء، التي يُفترض أن تشكل نقطة الانطلاق الأولى للنشاط، بالتوازي مع استكمال أشغال وتجهيز المنصة الغربية. كما تتواصل عمليات اختبار الرافعات ومختلف معدات مناولة الحاويات، بهدف التحقق من الجاهزية التقنية واللوجستية للمنشأة قبل دخولها مرحلة الاستغلال المنتظم. وأشارت مصادر متخصصة في قطاع الموانئ إلى أن محطة الحاويات الشرقية تتجه نحو التشغيل خلال الربع الأخير من سنة 2026، فيما جرى تعزيز أسطول الرافعات المخصصة للمحطة استعداداً لهذه المرحلة.
ويحمل المشروع طموحاً يتجاوز مجرد إنشاء ميناء جديد؛ إذ يُراد لميناء الناظور غرب المتوسط أن يتحول إلى منصة لوجستية متوسطية ذات امتداد دولي، قادرة على استقطاب حركة Transshipment ومنافسة موانئ إقليمية في سوق شديدة التنافسية، خصوصاً مع حضور شركات عالمية كبرى في مجال النقل البحري والمناولة.
غير أن وراء الرافعات العملاقة والسفن العابرة والأرقام المرتقبة سؤالاً آخر لا يقل أهمية: ماذا عن أبناء المنطقة؟
فنجاح الميناء لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد السفن التي سترسو على أرصفته أو بحجم الحاويات التي ستعبر منصاته، وإنما أيضاً بمدى قدرته على خلق منظومة اقتصادية واجتماعية يستفيد منها محيطه الترابي، وفي مقدمتها الكفاءات المحلية.
واللافت أن شركة Nador West Med أعلنت خلال سنة 2026 عن مجموعة من عمليات التوظيف شملت تخصصات دقيقة، من بينها إدارة المحطات والتدفقات المينائية، وضباط الميناء، والهندسة، ونظم المعلومات، والمشتريات والموارد البشرية وغيرها. كما تضمنت بعض المباريات مناصب مرتبطة مباشرة بـGestion des terminaux et flux portuaires، وهي من صميم التخصصات التي سيحتاج إليها الميناء مستقبلاً.
وهنا تحديداً يبرز التحدي الحقيقي: هل ستتحول هذه الدينامية إلى رافعة فعلية للتشغيل المحلي، أم سيظل أبناء الناظور والريف مجرد متابعين من خلف الأسوار لولادة واحدة من أكبر البنيات المينائية التي عرفتها المنطقة؟
والإنصاف يقتضي القول إن تشغيل ميناء بمواصفات دولية يفرض الاستعانة بكفاءات ذات خبرة متخصصة في الملاحة التجارية، والمناولة، وسلاسل الإمداد، والهندسة المينائية، والسلامة البحرية واللوجستيك الدولي. وبالتالي، فإن الاستعانة بكفاءات من خارج المنطقة، متى كانت ضرورية، لا ينبغي أن تُفهم تلقائياً باعتبارها إقصاءً للكفاءات المحلية.
لكن الإشكال الحقيقي سيبرز إذا لم تُواكب هذه المرحلة بسياسة واضحة لتكوين وتأهيل أبناء المنطقة، وربط مؤسسات التكوين المهني والجامعات والمعاهد بحاجيات Nador West Med وسوق الخدمات اللوجستية الذي سينشأ حوله.
فالميناء لا ينبغي أن يكون مجرد بوابة تعبر منها الحاويات والسفن، بينما تبقى القيمة المضافة البشرية والتقنية خارج الإقليم.
إن السؤال الذي ينتظر جواباً واضحاً من الجهات المسؤولة ليس فقط: متى سيبدأ ميناء الناظور غرب المتوسط نشاطه التجاري؟ وإنما أيضاً: كم من أبناء الناظور والريف سيكونون جزءاً من طاقمه ومنظومته اللوجستية ومقاولاته وخدماته المرافقة؟
ومع اقتراب مرحلة التشغيل، يصبح من المشروع مطالبة القائمين على المشروع بإرساء رؤية واضحة لـالتوطين المهني للكفاءات المحلية، وتشجيع المقاولات الناشئة في المنطقة، وإعطاء الأولوية للكفاءات الريفية المؤهلة متى استوفت المعايير المطلوبة، حتى لا تتحول التنمية المينائية إلى مجرد بنية تحتية ضخمة فوق أرض الريف، دون أن تكون لها انعكاسات اقتصادية واجتماعية متناسبة مع حجم الاستثمار.
فإذا كان ميناء الناظور غرب المتوسط يستعد لاستقبال العالم عبر البحر، فإن الرهان الأكبر يتمثل في أن يجد أبناء المنطقة مكانهم داخل هذا العالم الجديد، لا أن يكتفوا بمشاهدة سفنه وهي ترسو أمام سواحلهم.


