الناظور – خاص
ريف مديا بريس : احمد علي المرس
احتضنت قاعة فندق بابل بإقليم الناظور، اليوم، الجمعة 4 شتنبر ندوة صحافية عقدها النائب البرلماني محمادي توحتوح، خُصصت لتقديم حصيلة تجربته خلال الولاية البرلمانية المنتهية، واستعراض أبرز الملفات التي اشتغل عليها داخل المؤسسة التشريعية، إلى جانب الإجابة عن جملة من الأسئلة التي طرحها ممثلو وسائل الإعلام والحاضرون بشأن مساره السياسي، وخلفيات مغادرته حزب التجمع الوطني للأحرار والتحاقه بحزب الاستقلال، فضلاً عن عدد من القضايا التي أثارت نقاشاً واسعاً في الساحة السياسية والإعلامية المحلية.
اللقاء اتخذ طابعاً تواصلياً مفتوحاً، حيث لم تقتصر المداخلات على عرض الحصيلة البرلمانية، بل امتدت إلى ملفات سياسية وتنموية واقتصادية، إضافة إلى أسئلة مباشرة حول المرحلة المقبلة، وطبيعة العلاقة التي كانت تجمع توحتوح بحزبه السابق، والأسباب التي دفعته إلى إعادة ترتيب موقعه داخل المشهد الحزبي بإقليم الناظور.
وفي معرض رده على سؤال بشأن ما إذا كانت خلافات داخل حزب التجمع الوطني للأحرار قد حالت دون استمراره داخل الحزب والترشح باسمه من جديد، قدم توحتوح روايته الخاصة حول خلفيات مغادرته، مشيراً إلى وجود أسباب تنظيمية وسياسية قال إنها ساهمت في اتخاذه قرار الانتقال إلى حزب آخر، قبل أن يختار في نهاية المطاف العودة إلى حزب الاستقلال، الذي وصفه بأنه الحزب الذي انطلقت منه بداياته الأولى في العمل السياسي.
وفي جانب آخر من الندوة، وجد ملف ما بات يعرف في النقاش العمومي بقضية «الفراقشية» طريقه إلى أسئلة الصحافيين، وهو ملف ارتبط خلال السنوات الأخيرة بآلية استيراد الماشية ودعم استيراد الأغنام والأبقار، وما رافق ذلك من نقاش سياسي ومجتمعي بشأن تدبير الدعم العمومي ونتائجه.
وكان جواب توحتوح واضحاً في نفي أي علاقة شخصية له بهذا الملف، مؤكداً، بحسب تصريحه، أن الأمر كان مرتبطاً بتدبير حكومي استهدف سد الخصاص المسجل في سوق اللحوم وضمان تموين السوق الوطنية.
وقال إن الحديث عن «الفراقشية» لا يعني، حسب روايته، أنه كان معنياً بهذا النشاط، مضيفاً أنه لو كان بالفعل كذلك، لم توانى عن توجيه الاتهام إليّ؟ من نائب برلماني في المعارضة عن حزب العدالة والتنمية ( بوانو) ، بحسب تعبيره، أن يتهمه بهذه الصفة داخل فضاء البرلمان، في إشارة إلى ما اعتبره دليلاً على عدم صحة ما يروج بشأن علاقته بالموضوع.
ولم يكتف توحتوح بالنفي، بل أشار إلى أن عدداً من الراغبين في الاستفادة من آلية الدعم الموجهة لاستيراد الماشية كانوا مطالبين بتقديم ضمانات مالية، وأن بعض المستفيدين، وفق ما أورده خلال الندوة، لم يسترجعوا تلك الضمانات المالية.
وهو طرح يفتح، في المقابل، الباب أمام أسئلة أوسع تتعلق بكيفية تدبير منظومة الدعم، وشروط الاستفادة منها، وطبيعة الضمانات المقدمة، ومآلها، ومدى احترام مختلف المتدخلين للضوابط القانونية والتنظيمية المؤطرة للعملية؛ وهي أسئلة تظل في حاجة إلى معطيات رسمية ووثائق مالية وإدارية حتى يمكن الانتقال بها من مستوى التصريحات السياسية إلى مستوى التحقق الصحافي الموضوعي.
وبخصوص انتقاله من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الاستقلال، استند توحتوح في دفاعه عن اختياره السياسي الجديد إلى البعد التنظيمي والأخلاقي الذي قال إنه يميز حزب الاستقلال، موضحاً أن الحزب يتوفر على لجنة أخلاقية تمر عبرها، حسب قوله، عملية انتداب واستقبال السياسيين الراغبين في ممارسة العمل السياسي داخل التنظيم.
وفي سياق دفاعه عن سلامة موقفه، طرح توحتوح سؤالاً بصيغة مباشرة مفادها أنه لو كان بالفعل مرتبطاً بما يُتداول حول ملف «الفراقشية»، لما كان حزب الاستقلال قد قبله داخل صفوفه، بالنظر إلى وجود لجنة أخلاقية داخل الحزب، وفق ما صرح به.
وأكد في السياق ذاته أنه يشتغل حالياً «بكل أريحية» داخل حزبه الجديد، معتبراً أن التحاقه بحزب الاستقلال يمثل عودة إلى فضاء سياسي يعرفه منذ بداياته الأولى، واصفاً الحزب بأنه تنظيم عريق، وأنه بالنسبة إليه حزب يقوم على المبادئ والأخلاق.
ولم يغب البعد الانتخابي عن أسئلة الصحافيين، غير أن توحتوح حرص على تقديم انتقاله السياسي من زاوية تتجاوز الحسابات الانتخابية المباشرة، موضحاً أنه اختار، حسب تعبيره، «حزباً كبيراً»، في إشارة إلى حزب الاستقلال.
وفي معرض حديثه عن تجربته السابقة، نقل توحتوح جانباً من النقاش الداخلي الذي قال إنه كان سائداً داخل حزب التجمع الوطني للأحرار بشأن دائرة الناظور، مشيراً إلى أنه كان يتم الترويج لفكرة مفادها أن هذه الدائرة الانتخابية تحتاج إلى مرشح من «أصحاب الشكارة» ومن ذوي الإمكانات المالية الكبيرة لخوض المنافسة الانتخابية.
ويحيل هذا التصريح، في حد ذاته، على إشكالية أوسع تتجاوز حالة شخص بعينه، وتتعلق بكلفة المنافسة الانتخابية، ومدى قدرة الأحزاب السياسية على تمويل حملاتها الانتخابية وفق الضوابط القانونية، وحدود مساهمة المرشح في توفير الإمكانات اللوجستيكية لحملته، وما إذا كانت الاعتبارات المالية قد أصبحت، بصورة أو بأخرى، عاملاً مؤثراً في اختيار المرشحين.
وفي السياق ذاته، كان السؤال المتعلق بالمبلغ المالي الذي قيل إنه طُلب من توحتوح للمساهمة في تمويل حملته الانتخابية من داخل حزبه السابق من أكثر الأسئلة حساسية خلال الندوة.
وبحسب ما صرح به توحتوح، فإن المبلغ الذي طُلب منه لم يكن في حدود 460 مليون سنتيم فقط، وإنما قال إنه طُلب منه مبلغ يفوق ذلك.
واعتبر أن مطالبة المرشحين البرلمانيين بمبالغ مالية ضخمة لتمويل الحملات الانتخابية وتوفير الجوانب اللوجستيكية المرتبطة بالاستحقاقات أمر غير معقول، معتبراً أن هذا الجانب كان أحد الأسباب التي ساهمت، وفق روايته، في اتخاذ قرار مغادرة حزب التجمع الوطني للأحرار والالتحاق بحزب الاستقلال.
وتظل هذه التصريحات، بطبيعة الحال، رواية سياسية صادرة عن المعني بالأمر، الأمر الذي يقتضي مهنياً، في حال تناولها في تحقيق مستقل، الاستماع إلى قيادة الحزب المعني والحصول على أي وثائق أو معطيات من شأنها تأكيد أو نفي ما ورد في الندوة.
وفي ملف الصحة، شدد توحتوح على أهمية مواصلة الإصلاحات التي عرفها القطاع بإقليم الناظور، معرباً عن أمله في أن تعمل الحكومة المقبلة على مواكبة ما تحقق من إصلاحات، وأن تستمر في دعم القطاع الصحي بالإقليم بما يستجيب للحاجيات المتزايدة للسكان.
كما عاد خلال الندوة إلى الحديث عن علاقته بالحزب السابق، مشيراً إلى أنه كان لديه، حسب تعبيره، «التزام أخلاقي» تجاه حزب التجمع الوطني للأحرار، قبل أن تتغير الظروف التي قادته إلى اتخاذ قرار مغادرته.
أما عن أسباب اختياره حزب الاستقلال تحديداً، فقد أعاد توحتوح التأكيد على أن علاقته بالحزب تعود إلى بداياته في العمل السياسي، معتبراً أن الاستقلال حزب عريق وذو تاريخ سياسي طويل، وأنه يجد فيه، وفق تصوره، فضاءً سياسياً قائماً على القيم والأخلاق.
وتطرقت الندوة كذلك إلى ظاهرة انتقال عدد من المنتخبين والفاعلين السياسيين الذين سبق لهم ممارسة مسؤوليات في مجالس الجماعات الترابية من حزب إلى آخر، وهي ظاهرة أصبحت تثير نقاشاً متزايداً في المشهد السياسي المحلي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتخبين راكموا تجارب في تدبير الشأن العام المحلي.
وفي هذا السياق، طُرح سؤال حول طبيعة المؤهلات والإمكانات التي يمتلكها هؤلاء الفاعلون السياسيون، وما إذا كان الانتقال من تنظيم سياسي إلى آخر يعكس تحولاً في القناعات والبرامج والتصورات، أم أنه يدخل ضمن إعادة تموضع انتخابي تفرضه موازين القوى المحلية.
ويظل هذا السؤال مفتوحاً على نقاش أوسع بشأن مفهوم الانتماء الحزبي في الممارسة السياسية المغربية، وحدود العلاقة بين السياسي والحزب والناخب، وما إذا كان الانتقال بين التنظيمات ينبغي أن يُقرأ باعتباره ممارسة طبيعية للحق السياسي، أم أنه يحتاج إلى تفسير سياسي وبرنامجي واضح أمام الرأي العام.
وبعيداً عن التوظيف الانتخابي المباشر للندوة، فإن أهمية اللقاء تكمن أساساً في كونه أتاح للنائب البرلماني محمادي توحتوح تقديم روايته بشأن مرحلة سياسية كاملة، والدفاع عن حصيلته، والإجابة عن أسئلة ظلت مطروحة حول مغادرته حزب التجمع الوطني للأحرار، وخلفيات التحاقه بحزب الاستقلال، إضافة إلى مواقفه من عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
كما أن الندوة أعادت إلى الواجهة قضية أكثر عمقاً تتعلق بمستقبل الممارسة السياسية في إقليم الناظور: هل أصبحت الأحزاب قادرة على بناء اختياراتها الانتخابية على أساس الكفاءة والبرنامج والامتداد المجتمعي، أم أن الاعتبارات المالية والتنظيمية والانتخابية لا تزال تلعب دوراً حاسماً في تشكيل اللوائح؟
أسئلة من هذا النوع لا يمكن حسمها بخطاب سياسي واحد، وإنما تحتاج إلى قراءة موضوعية للوقائع، ومقارنة بين البرامج والحصائل، والعودة إلى الوثائق الرسمية، والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية.
وبذلك، لم تكن الندوة الصحافية مجرد مناسبة لتقديم حصيلة برلمانية، وإنما تحولت إلى مساحة للنقاش حول تجربة سياسية كاملة، بكل ما تحمله من نجاحات وانتقادات وأسئلة معلقة، في انتظار أن تحسم الوقائع والمعطيات الموثقة ما يظل، في الوقت الراهن، ضمن دائرة التصريحات والمواقف السياسية.




