ريف ميديا : احمد علي المرس
السبت -26 شتنبر 01:50
تفتح نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 صفحة جديدة في المسار السياسي والدستوري للمملكة، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الاقتراع بحصوله على 97 مقعداً بمجلس النواب. ومع صدور النتائج، ينتقل النقاش من سؤال النتائج إلى سؤال أكثر تعقيداً: من هي الشخصية القادرة على قيادة الحكومة المقبلة في سياق وطني وإقليمي ودولي تتداخل فيه رهانات التنمية مع تحديات اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية متسارعة؟
الدستور المغربي وضع قاعدة واضحة في هذا الشأن. فالفصل 47 ينص على أن الملك محمد السادس يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. غير أن هذا المقتضى لا يجعل بالضرورة من قيادة الحزب المتصدر مرادفاً لشخص رئيس الحكومة، ما يترك مرحلة ما بعد الانتخابات مفتوحة على قراءة دستورية وسياسية دقيقة، بعيداً عن التكهنات والأسماء المتداولة.
وتزداد خصوصية المرحلة الحالية بالنظر إلى طبيعة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، الأمر الذي يجعل النقاش حول الشخصية المؤهلة لرئاسة الحكومة مختلفاً عن تجارب سابقة كان فيها الحزب المتصدر يقوده أمين عام واضح الصفة التنظيمية.
وتبرز هنا أهمية المؤسسة الملكية باعتبارها جزءاً أساسياً من البناء الدستوري للمملكة، إذ يمارس الملك محمد السادس اختصاصاته وفق المقتضيات التي حددها الدستور. كما تبرز في مثل هذه اللحظات حنكة الملك وتبصره وقدرته على اتخاذ القرارات المناسبة في المواقف الدقيقة، بما يراعي التوازنات الدستورية والسياسية، ويستحضر المصلحة العليا للوطن واستقرار مؤسساته. لذلك، لا ينبغي اختزال اختيار رئيس الحكومة في سباق أسماء أو حسابات ظرفية، بل قراءته ضمن تدبير المرحلة السياسية والمؤسساتية المقبلة، بما يضمن الانسجام بين المسؤولية الحكومية والرهانات الكبرى التي تواجه المغرب.
وقد أظهرت التجربة السياسية المغربية أن تنزيل المقتضيات الدستورية قد يفرض معالجة أوضاع معقدة داخل الإطار الدستوري نفسه. وتشكل سنة 2017 مثالاً دالاً، حين تعذر على عبد الإله بنكيران تشكيل الأغلبية الحكومية، قبل تعيين سعد الدين العثماني، من الحزب نفسه، لتشكيل الحكومة. وتؤكد هذه السابقة أن رئاسة الحكومة ليست مرتبطة آلياً برئاسة الحزب المتصدر، ما دام الاختيار يتم داخل الحدود التي يرسمها الدستور.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمن سيحمل صفة رئيس الحكومة، بل بنوعية القيادة التي تحتاجها المملكة في المرحلة المقبلة تحت قيادة الملك محمد السادس.
فالمغرب الذي يطمح إلى تعزيز موقعه الاقتصادي، وتطوير بنياته التحتية، وجذب الاستثمارات، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتطوير الحماية الاجتماعية، ومواجهة التحولات المناخية والطاقية والاقتصادية، يحتاج إلى حكومة قادرة على الانتقال من تدبير الملفات اليومية إلى صناعة سياسات عمومية ذات نفس استراتيجي.
كما أن موقع المغرب في محيطه الإفريقي والمتوسطي، وتطور علاقاته الدولية، والتحولات الجيوسياسية، إلى جانب قضية الصحراء المغربية، تجعل العمل الحكومي أكثر ارتباطاً بالسياسة الخارجية والخيارات الاستراتيجية للدولة.
ومن ثم، قد يكون بروفايل رئيس الحكومة المقبل أهم من الاسم ذاته. فالمطلوب شخصية قادرة على بناء أغلبية منسجمة، وتدبير الاختلاف داخل الحكومة، والجمع بين الخبرة السياسية والكفاءة التدبيرية، والتواصل مع المجتمع وإقناعه بضرورات الإصلاح.
وتطرح هذه المرحلة سؤالاً أوسع يتعلق بقدرة النخبة السياسية على مواكبة الرؤية الاستراتيجية للمغرب التي يقودها الملك محمد السادس. فالمملكة التي تتشكل اليوم، بما حققته من تحولات في البنية التحتية والاستثمار والطاقات المتجددة والصناعة والرقمنة والدبلوماسية الاقتصادية، تحتاج إلى تطور موازٍ في أداء المؤسسات ومستوى الخطاب والممارسة السياسية.
لذلك، تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق المنافسة الانتخابية إلى منطق المسؤولية المؤسساتية، وإلى إنتاج نخب تمتلك تصوراً واضحاً للمستقبل، لا تكتفي بإدارة اللحظة السياسية. فالمرحلة المقبلة تتطلب التقاء الشرعية الانتخابية بالكفاءة المؤسساتية، وحكومة قادرة على تحويل الاختيارات الكبرى إلى سياسات قابلة للتنفيذ والقياس، وأحزاباً تجدد خطابها ونخبها وأدوات اشتغالها.
وفي هذا السياق، سيجري الاختيار الملكي المقبل لرئيس الحكومة داخل الإطار الذي حدده الدستور، وسيشكل التعيين محطة حاسمة للانتقال من مرحلة النتائج الانتخابية إلى تشكيل السلطة التنفيذية. أما الأسماء المتداولة، فتبقى إلى حين صدور القرار الدستوري جزءاً من التحليل والتكهنات، ولا يمكن اعتبارها معطيات محسومة.
بل أيضاً: هل ستكون النخبة السياسية في مستوى مغرب جديد تتسارع فيه وتيرة التحول، وتتزايد فيه انتظارات المواطن، وتتسع فيه مسؤوليات الدولة؟
فالمسألة لا تتعلق بشخص واحد، وإنما بقدرة منظومة سياسية كاملة على مواكبة مغرب يتغير، وتحويل الطموح الوطني الذي يقوده الملك محمد السادس إلى سياسات ومؤسسات ونتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
