من شاشة الهاتف إلى قبة البرلمان.. أسامة باريك وحكاية جيل سياسي جديد؟

اخر الأخبار

الجمارك لا تمزح: déclaration obligatoire أو مواجهة العواقب

من دهاليز الجمارك إلى قمة القرار.. محمد الزهوي يتولى قيادة الإدارة الجمركية بالمغرب

زيارة مرتقبة للمدير العام للجمارك إلى الجهة الشرقية.. لتعزيز النجاعة الجمركية ومواكبة الدينامية الاقتصادية بالناظور

تعلن A.A.T عن انطلاق مرحلة جديدة لنقل الأمتعة والبضائع بين أوروبا والمغرب لفائدة الجالية المغربية.

محمد الزهاوي على رأس الجمارك.. “ابن الدار” العارف بخبايا البيت الجمركي يقود مرحلة التحديث وحماية الاقتصاد الوطني.

شكايات متصاعدة بشأن خدمات خط بني أنصار–سات البحري… و«ريف ميديا بريس» تضع الملف أمام الشركة المعنية ووزارة النقل واللوجستيك MTL

ميناء بني أنصار بين الحقيقة و التضليل...عندما تنتصر اليقظة الأمنية

انطلاق دعم تجديد حضيرة النقل في يونيو 2026.. هل حان وقت تطهير القطاع من الفوضى والنقل غير المهيكل؟

فاس.. فرقة مختلطة للجمارك تحجز 2178 كلغ من المعسل و370 كلغ من التبغ المجفف

من يحكم سوق البال بالمغرب؟ تحقيق يكشف خفايا تجارة بمليارات الدراهم خارج الرادار المالي.

أخبار جديدة

من شاشة الهاتف إلى قبة البرلمان.. أسامة باريك وحكاية جيل سياسي جديد؟



ريف ميديا بريس : أحمد علي المرس

السبت- 26شتنبر 03:19h

في خضم المشهد الذي أفرزته الانتخابات التشريعية الأخيرة، تبرز بين الحين والآخر تجارب تستحق أن تتجاوز حدود الخبر الانتخابي العابر، لأنها تطرح أسئلة أكبر من مجرد الفوز بمقعد برلماني أو خسارة مقعد آخر. ومن بين هذه التجارب تبرز حالة الشاب عبد العزيز باريك، المعروف في الفضاء الرقمي باسم أسامة باريك، القادم من إمليلش بإقليم ميدلت، والذي استطاع أن ينتقل من فضاء مواقع التواصل الاجتماعي إلى المؤسسة التشريعية، في مسار يفتح أكثر من سؤال حول علاقة الشباب المغربي بالسياسة، وحول الطريقة التي يمكن أن تتشكل بها النخب السياسية الجديدة في زمن أصبحت فيه شاشة الهاتف جزءاً من الحياة اليومية للمواطن.

قصة باريك، كما ظهرت من خلال مساره الشخصي والإعلامي، لم تبدأ من البرلمان، ولم تبدأ من موقع حزبي تقليدي. فقد كان شاباً من منطقة جبلية، درس الجغرافيا، وعاش عن قرب جزءاً من الإشكالات التي تعرفها المناطق الجبلية من عزلة وصعوبات مرتبطة بالطرق والصحة والتعليم والكهرباء والاتصالات والتنمية المحلية. وفي مرحلة من مساره، وبعد انتكاسة مرتبطة بمباراة الأستاذية، وجد نفسه أمام ضرورة إعادة بناء طريقه الشخصي والمهني. وبدلاً من أن يتحول ذلك الإخفاق إلى نهاية لمساره، اتجه إلى فضاء آخر، هو فضاء مواقع التواصل الاجتماعي، حيث بدأت الكاميرا تتحول تدريجياً من مجرد وسيلة للتصوير إلى أداة للتعبير عن قضايا المجتمع ونقل انشغالات المواطنين.

وهنا بدأت الحكاية تأخذ مساراً مختلفاً. فالفيديوهات التي كان ينشرها لم تكن مجرد محتوى عابر، بل كانت مرتبطة في جانب كبير منها بواقع الناس ومشاكل المناطق الجبلية، وهو ما أتاح له بناء حضور رقمي وعلاقة مباشرة مع جمهور يتفاعل معه ويناقشه ويشاركه انشغالاته. ومع مرور الوقت، بدأ اسم أسامة باريك يصبح معروفاً في محيطه، ليس فقط باعتباره ناشطاً في مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما باعتباره صوتاً يتحدث عن قضايا محلية ويطرحها أمام الرأي العام.

وهنا بالضبط تبدأ النقلة التي تستحق التوقف عندها. فالشخص الذي كان يخاطب الناس من خلال شاشة الهاتف وجد نفسه أمام سؤال أكبر: هل يمكن لهذا الحضور الرقمي أن يتحول إلى مشاركة سياسية فعلية؟ وهل يستطيع شخص لم يسلك بالضرورة المسارات التقليدية الطويلة داخل المؤسسات الحزبية أن ينتقل من فضاء التعبير إلى فضاء القرار؟

دخل باريك غمار الانتخابات التشريعية مرشحاً عن حزب الوحدة والديمقراطية، ليجد نفسه في مواجهة مشهد سياسي له قواعده وأسماء راكمت سنوات طويلة من التجربة والحضور داخل الحياة الحزبية والانتخابية. ومن هنا لم تعد المسألة مرتبطة بشخصه فقط، وإنما أصبحت تجربة قابلة للقراءة من زاوية أوسع: كيف يمكن لشاب أن ينتقل من صناعة المحتوى إلى صناعة الحضور السياسي؟ وهل تغيرت بالفعل بعض القواعد التي كانت تتحكم في إنتاج النخب السياسية؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى شيء من التريث، لأن الانتخابات لا تُفسر بعامل واحد. فلا يمكن القول إن مواقع التواصل وحدها صنعت النتيجة، كما لا يمكن القول إن الإمكانات المادية أو التنظيمية لا أهمية لها. الانتخابات ظاهرة اجتماعية وسياسية معقدة تتداخل فيها عوامل متعددة، من شخصية المرشح إلى الحزب الذي ينتمي إليه، ومن البيئة المحلية إلى العلاقات الاجتماعية، ومن الخطاب السياسي إلى الثقة التي يستطيع المرشح أن يبنيها مع المواطنين.

لكن تجربة باريك تفتح، مع ذلك، باباً مهماً للنقاش: ماذا لو أصبح الحضور الرقمي نفسه نوعاً جديداً من الرأسمال الاجتماعي والسياسي؟

في الماضي، كان بناء الرأسمال السياسي يحتاج في الغالب إلى سنوات من العمل الحزبي والتنظيمي، وإلى شبكة من العلاقات واللقاءات الميدانية، وإلى حضور داخل الهياكل التقليدية. أما اليوم، فقد أصبح الهاتف المحمول منصة يستطيع من خلالها شخص واحد أن يصل إلى جمهور واسع، وأن يعرض مشكلات منطقته، وأن يناقشها بشكل مباشر، وأن يتلقى ردود فعل الناس دون وسيط. ومن منظور علم الاجتماع، يمكن النظر إلى هذا التحول باعتباره تغيراً في وسائل إنتاج الحضور الاجتماعي والرمزي، وليس مجرد تغير في وسائل الاتصال.

فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للدعاية، وإنما أصبحت فضاءات للتنشئة والتفاعل وتشكيل الرأي وبناء الثقة. وتشير دراسات حول التواصل السياسي الرقمي في المغرب إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً مهماً من الحملات الانتخابية ومن علاقة المرشحين بالجمهور، وأنها أسهمت في تغيير بعض أشكال التواصل السياسي والتفاعل مع الناخبين.

ومن هذه الزاوية، تصبح تجربة أسامة باريك أكثر إثارة للاهتمام، لأنها تضع أمامنا سؤالاً يتجاوز شخصه: هل نحن أمام حالة استثنائية، أم أن هذه التجربة يمكن أن تكون إحدى العلامات الأولى على ولادة جيل سياسي جديد؟

لا يمكن لعلم الاجتماع أن يستخلص حكماً نهائياً من حالة واحدة، لأن ولادة ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى تكرار التجارب وظهور مؤشرات متعددة. لكن من الممكن قراءة هذه التجربة باعتبارها فرضية تستحق المتابعة. فجيل جديد من الشباب نشأ في بيئة مختلفة عن البيئة التي نشأت فيها الأجيال السياسية السابقة؛ جيل أصبح الهاتف بالنسبة إليه أداة للمعرفة والتواصل والتعبير وصناعة الرأي، وأصبحت المنصات الرقمية جزءاً من حياته اليومية.

وهذا الجيل قد لا يرى السياسة بالضرورة بالطريقة التي رأتها بها الأجيال السابقة. فهو لا ينتظر دائماً أن تفتح له مؤسسة حزبية الباب لكي يتحدث، بل يستطيع أن يصنع لنفسه منبراً خاصاً، وأن يخاطب الناس مباشرة، وأن يبني حول أفكاره شبكة من المتابعين والمتفاعلين. وإذا استطاع هذا الحضور أن يتحول لاحقاً إلى عمل ميداني وتنظيمي ومؤسساتي، فقد يصبح أمامنا شكل مختلف من أشكال صناعة النخب.

لكن هنا يجب أن نتوقف عند نقطة أساسية: عدد المتابعين لا يعني بالضرورة قاعدة انتخابية، والشهرة الرقمية لا تعني تلقائياً الكفاءة السياسية، والقدرة على إنتاج فيديو مؤثر لا تعني بالضرورة القدرة على صياغة سياسة عمومية أو مناقشة مشروع قانون أو فهم تعقيدات الاقتصاد والإدارة والتشريع.

وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي ينتظر عبد العزيز باريك الملقب بأسامة، كما ينتظر أي وجه جديد يدخل المؤسسة التشريعية. فالانتقال من شاشة الهاتف إلى قبة البرلمان لا يعني نهاية الطريق، وإنما يعني بداية مرحلة أكثر صعوبة. ففي مواقع التواصل الاجتماعي يستطيع المرء أن يختار موضوعه، وأن يعبر عن موقفه، وأن يتفاعل مع الجمهور، أما داخل البرلمان فإن الأمر يتعلق بمؤسسة لها قواعدها وآلياتها واختصاصاتها، ويتعين على النائب أن يحول القضايا التي كان يطرحها أمام الكاميرا إلى أسئلة ومقترحات ومواقف ومبادرات داخل الإطار المؤسساتي.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل يستطيع القادم من الفضاء الرقمي أن يحافظ على الثقة التي بناها قبل الانتخابات، وأن يحولها إلى عمل سياسي ملموس؟ وهل يستطيع أن يبقى قريباً من المواطنين بعد أن أصبح جزءاً من مؤسسة الدولة؟ وهل سيتمكن من تحويل مشكلات المناطق الجبلية التي تحدث عنها سابقاً إلى ملفات ومطالب ومبادرات قابلة للنقاش داخل البرلمان؟

هذه الأسئلة لا تخص عبد العزيز باريك وحده، وإنما تخص أيضاً الشباب الذين قد يرون في تجربته نموذجاً ممكناً للمشاركة السياسية. فالرسالة التي يمكن أن توجه إلى هؤلاء الشباب ليست أن مواقع التواصل الاجتماعي تكفي للوصول إلى السياسة، وإنما أن المجال السياسي لم يعد مغلقاً أمامهم بالضرورة، شريطة أن يدخلوا إليه بالعلم والكفاءة والثقافة والوعي والعمل الميداني والنزاهة، لا بالشعبية الرقمية وحدها.

فالسياسة تحتاج إلى معرفة، وإلى فهم للقانون والاقتصاد والإدارة والمجتمع، كما تحتاج إلى قدرة على الاستماع وتحمل المسؤولية. والشاب الذي يريد أن يدخل المجال العام لا يكفيه أن يكون معروفاً؛ عليه أن يكون قادراً على الفهم والتحليل واقتراح الحلول والدفاع عنها.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم أهمية تجربة باريك من زاوية أخرى. فإذا كانت السياسة التقليدية قد أنتجت عبر عقود وجوهاً راكمت الخبرة داخل الأحزاب والمؤسسات، فإن الفضاء الرقمي أصبح اليوم قادراً على إنتاج وجوه جديدة من خارج تلك المسارات التقليدية. وهذا لا يعني أن النخب القديمة انتهى دورها، ولا يعني أن كل وجه رقمي يمثل بالضرورة نخبة سياسية جديدة، وإنما يعني أن مصادر إنتاج الحضور السياسي أصبحت أكثر تنوعاً.

وهنا يبرز سؤال أكبر: هل ستستطيع الأحزاب السياسية المغربية مواكبة هذا التحول؟ وهل ستفتح المجال أمام طاقات شابة قادمة من المجتمع المدني والفضاء الرقمي والعمل الميداني؟ وهل ستتحول مواقع التواصل الاجتماعي في المستقبل من مجرد وسيلة للتواصل الانتخابي إلى إحدى القنوات التي تساهم في إنتاج النخب السياسية؟

إنها أسئلة مفتوحة، وربما تحتاج إلى أكثر من انتخابات واحدة حتى نجد لها جواباً واضحاً.

لكن المؤكد أن الانتخابات التشريعية الأخيرة لم تكن مجرد مناسبة لمعرفة من فاز ومن خسر، وإنما كشفت أيضاً عن تحولات في العلاقة بين المواطن والسياسة، وبين المرشح والناخب، وبين الأجيال الجديدة والمؤسسات التقليدية. وفي هذا السياق، تأتي تجربة أسامة باريك باعتبارها حالة تستحق المتابعة والتحليل، لا باعتبارها دليلاً نهائياً على حدوث تحول شامل، وإنما باعتبارها تجربة تطرح احتمالاً جدياً يستحق الدراسة.

ومن هنا، فإن ريف ميديا بريس، وهي تتابع الانتخابات التشريعية وما أفرزته من وجوه ووقائع وتحولات، لا تريد أن تكتفي بنقل النتائج أو تقديم الأسماء، بل تسعى إلى تسليط الضوء على العديد من الجوانب والظواهر التي رافقت هذا الاستحقاق، وقراءة ما وراء الأرقام والنتائج: كيف تغيرت لغة الخطاب السياسي؟ كيف أصبح الفضاء الرقمي جزءاً من الحملة الانتخابية؟ كيف تتغير علاقة الشباب بالأحزاب؟ وهل نحن أمام إعادة تشكيل تدريجية للمشهد السياسي والنخب التي تتحرك داخله؟

إن تجربة أسامة باريك تضعنا أمام هذه الأسئلة كلها دفعة واحدة. فقد بدأت من شاب واجه محطة إخفاق في مساره، ثم اختار أن يعيد بناء نفسه عبر الفضاء الرقمي، فتحولت الكاميرا بالنسبة إليه إلى وسيلة للتواصل مع المجتمع، ثم انتقل من التعبير عن قضايا الناس إلى خوض غمار الانتخابات، لينتهي به المسار إلى المؤسسة التشريعية.

لكن القصة لم تنته هنا.

فالفوز الانتخابي، في النهاية، ليس سوى بداية مرحلة جديدة، والاختبار الحقيقي هو ما سيأتي بعده. فهل سيستطيع أن يحول الرصيد الذي بناه في العالم الرقمي إلى أثر سياسي ومؤسساتي؟ وهل ستظهر تجارب أخرى مشابهة في مناطق مختلفة من المغرب؟ وهل سيؤدي ذلك، مع مرور الوقت، إلى بروز جيل سياسي جديد لا ينتظر أن يُمنح مكانه داخل المشهد، وإنما يصنع حضوره من المجتمع والشارع والفضاء الرقمي ثم ينتقل إلى المؤسسات؟

ربما تكون تجربة أسامة باريك مجرد حالة خاصة، وربما تكون واحدة من البدايات الصامتة لتحول أوسع.

والسنوات المقبلة وحدها قادرة على تقديم الجواب.

لكن الرسالة التي يمكن أن تخرج بها هذه التجربة إلى الشباب واضحة: لا تتركوا السياسة لمن سبقكم فقط؛ تعلموا، اقرأوا، انخرطوا في المجتمع، استعملوا أدوات العصر، وابنوا حضوركم على المعرفة والكفاءة والأخلاق والعمل الحقيقي.

فالشعبية قد تفتح الباب، ومواقع التواصل قد تمنح صاحبها منصة، وثقة الناس قد تمنحه الفرصة، لكن ما يثبت الإنسان في الحياة العامة هو قدرته على تحويل تلك الثقة إلى عمل ومسؤولية وأثر.

وهنا تحديداً تكمن أهمية تجربة أسامة باريك، وهنا أيضاً يكمن السؤال الذي ستظل ريف ميديا بريس تطرحه وهي تواصل قراءة المشهد الانتخابي المغربي: هل كان صعود شاب من شاشة الهاتف إلى قبة البرلمان مجرد حالة استثنائية، أم أننا بدأنا نشهد بالفعل ولادة جيل سياسي جديد؟

إرسال تعليق

شكرا على تعليقك

أحدث أقدم

نموذج الاتصال