أحمد علي المرس: ريف ميديا بريس
أعادت السرعة التي انتهت بها مهام الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، مديحة خيير، بعد يومين فقط من تعيينها، طرح أسئلة محرجة حول منهجية اختيار المرشحين للمناصب الحكومية، ومدى جدية الأحزاب السياسية في إخضاع البروفايلات المقترحة لدراسة دقيقة وشاملة قبل تقديمها لتحمل مسؤوليات عمومية رفيعة. فحين لا يصمد تعيين حكومي سوى أيام معدودة، فإن الأمر لا يتعلق فقط بقرار إنهاء المهام، بل يفتح الباب أمام مساءلة سياسية ومؤسساتية حول المراحل التي سبقته، والمعايير المعتمدة في الاختيار، ومدى كفاية عمليات التحقق والتقييم التي يفترض أن تسبق الإعلان عن الأسماء المرشحة. إن المسؤولية السياسية لا تبدأ لحظة تسلّم المنصب، بل تنطلق من الحزب الذي يرشح، والجهات التي تدقق، والآليات التي يفترض أن تمنع المفاجآت غير المحسوبة بعد صدور التعيينات.
ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل عن الكيفية التي تُعِدّ بها بعض الأحزاب ملفات مرشحيها، وعن مدى اعتمادها دراسات معمقة لمساراتهم المهنية والسياسية، وكفاءاتهم التدبيرية، واستيفائهم للشروط القانونية والأخلاقية المرتبطة بالمسؤولية العمومية. فالأحزاب التي تطمح إلى المشاركة في تدبير الشأن العام لا يمكنها أن تتعامل مع التعيينات بمنطق ملء المقاعد أو البحث عن أسماء تستجيب لحسابات ظرفية، ثم تترك المؤسسات تواجه تداعيات اختيارات لم تُحط بما يكفي من التمحيص. إن تقديم اسم لتحمل مسؤولية حكومية ليس إجراءً شكلياً ولا امتيازاً حزبياً، بل قرار سياسي يترتب عنه أثر مباشر على صورة الحكومة ومصداقية المؤسسات وثقة المواطنين.
ولذلك، فإن أي قصور في التحقق المسبق من المعطيات ذات الصلة بالمرشحين يستوجب مساءلة سياسية واضحة، لا الاكتفاء بتجاوز الواقعة وكأن شيئاً لم يحدث. وفي المقابل، فإن إنهاء المهام بسرعة، متى اقتضت الظروف ذلك، يظل إجراءً يمكن قراءته من زاوية التفاعل المؤسساتي مع المستجدات، لكنه لا يعفي الجهات التي شاركت في عملية الاختيار من مسؤولية توضيح المعايير التي اعتمدتها، ولا يغني عن مراجعة المنهجية التي أفضت إلى تعيين لم يستمر سوى يومين. فالتصحيح اللاحق، مهما بلغت سرعته، لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن التدقيق السابق، كما أن سرعة احتواء التداعيات لا تمحو الأسئلة المشروعة بشأن أسباب ظهورها من الأساس. والأكثر إلحاحاً أن تتحول هذه الواقعة إلى مناسبة لمراجعة آليات الترشيح الحزبي، عبر اعتماد ملفات موثقة، وتدقيق جدي في المسارات ذات الصلة، وتقييم موضوعي للكفاءة والاستعداد لتحمل المسؤولية، بعيداً عن منطق الولاءات والحسابات الضيقة، متى ثبت تأثيرها في الاختيار. كما أن المسؤولية تقتضي التمييز بين ما هو ثابت رسمياً وما يظل مجرد ادعاء أو تداول غير موثق، لأن مساءلة الأحزاب لا تبرر المساس بقرينة البراءة أو تحويل المعطيات غير المثبتة إلى أحكام نهائية في حق الأشخاص.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في سرعة إنهاء مهام مسؤول أو تعويضه بآخر، بل في بناء ثقافة سياسية تجعل جودة الاختيار أولوية، وتُلزم الأحزاب بتحمل مسؤوليتها كاملة عن الأسماء التي تقترحها للمناصب العمومية. فالمناصب الحكومية ليست مجالاً للتجريب، ولا ينبغي أن تصبح قرارات التعيين مناسبة لاكتشاف اختلالات كان من الممكن التحقق منها قبل الإعلان عن الأسماء. أما استمرار التعيينات التي يعقبها تراجع سريع، إن تكرر وثبتت أسبابه، فسيظل مدعاة لطرح أسئلة جدية حول نجاعة آليات الانتقاء والتدقيق داخل الأحزاب، وحول مدى احترامها لمتطلبات المسؤولية السياسية. فالسياسة ليست مجرد اقتراح أسماء وتوزيع حقائب، بل مسؤولية تبدأ بحسن الاختيار، وتُقاس بمدى الاستعداد لتحمل تبعاته.
